تاريخ النشر: 2026-10-21 | 17:28
تاريخ النشر: 2026-10-21 | 17:28
على الرغم من استمرار الصراع في منطقة الشرق الاوسط بقوانين معادلة لا حرب ولا سلم، بشكل عام، بحيث يُمّكن القوى الغربية المهيمنة على المنطقة بإدارة استمراره دون إعطاء أي فرصة قد تؤدي لحل الصراع او حسمه.
الا ان السابع من أكتوبر، ولأنه اختراق للمنظومة الأمنية الإسرائيلية الأميركية، ولأنه فاجأ الجميع إقليميا ودوليا، فانه يعتبر محاولة فلسطينية بامتياز لكسر معادلة إدارة الصراع التي تديرها الولايات المتحدة. لذلك استدعى الصراع جميع فواعله الإقليمية والدولية لكسر إرادة الفلسطينيين والعودة بالصراع الى الحدود التي ترسمها القوة الأعظم دوليا.
ولان جميع الفواعل (دول الإقليم والغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص) تصدت وبكل امكانياتها العسكرية والاقتصادية، منتهكة القوانين الدولية وحقوق الانسان غير ابهة بها، لضمان إعادة التحكم بالصراع وادارته بما لا يُمّكن الفلسطينيين من تحقيق أي من أهدافهم.
الانتقام الإسرائيلي البربري المدعوم من الغرب الرسمي بشكل عام والأميركي بشكل خاص، كان حرب إبادة وتجويع في غزة، وكان غير مسبوقا، حرب مستمرة لأكثر من ثلاث سنوات، شملت سوريا ولبنان ثم امتدت الى إيران واليمن وطالت الحرب عمليا دول الخليج كلها.
وقد ايقظت هذه الحرب الضمير العالمي الذي انتصر لفلسطين، وجابت المظاهرات كل العواصم والمدن العالمية تنادي بتحرير فلسطين، وبذلك عادت القضية الفلسطينية إلى مركز الأجندة الدولية، ولم يعد الحديث الدولي يقتصر على تحسين ظروف الفلسطينيين، وإنما عاد بقوة إلى الحديث عن الدولة الفلسطينية، الاحتلال، المستوطنات، القدس، حق تقرير المصير، حدود الدولة الفلسطينية، الوضع القانوني للأراضي المحتلة. وفي 2026 أصبح الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية أوسع بكثير، مع استمرار التأكيد الدولي على حل الدولتين.
وبالمقابل أصبحت إسرائيل دولة منبوذة على الصعيد الشعبي عالميا وخاصة الأجيال الجديدة، ورسميا بدأ العديد من دول العالم وخاصة الأوروبية تتخذ عديدا من الاجراءات والعقوبات على دولة إسرائيل.
ولكن للأسف فانه في الوقت الذي أعادت فيه تداعيات السابع من أكتوبر القضية الفلسطينية من قضية إنسانية الى نزاع إقليمي، وإلى قضية سياسية دولية مركزية، اكتسبت فيها شرعية شعبية عالمية، وبينما اهتزت اركان الرواية الاسرائيلية، فان الساحتين العربية والفلسطينية، تفتقر الى القدرة والرغبة في الاستثمار في المتغيرات الدولية الهامة التي حدثت لصالح فلسطين، مما يعني صعوبة، ان لم يكن استحالة دعم وحماية المشروع الوطني الفلسطيني. اما المنطقة فيبدو انها ستعيش في عصر الهيمنة الإسرائيلية. ان الحقائق على الأرض والتي سترسم معالم المستقبل القريب، وعلى المدى المنظور، للقضية الفلسطينية، والتي يجب اخذها بعين الاعتبار هي:
أولا: فصل غزة عن الجغرافيا الفلسطينية وتسليمها لإدارة غير فلسطينية، وضفة مزقها الاستيطان، ونظام سياسي فاشل وبنيته متهالكة، ولكنه باق فقط لان الاحتلال يرغب ببقائه.
ثانيا: النتائج الميدانية على الساحات السورية واللبنانية والفلسطينية، المحيطة بفلسطين تنبئ بانحسار إمكانية العمل المقاوم للاحتلال اقله في العقد الزمني القادم.
لذلك، فان الحلول التي سيتم اعتمادها وفرضها للصراع الفلسطيني الإسرائيلي هي حلول تجميلية إنسانية، ستحمل البصمة الأميركية وستصب في خدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية، بتوقيع عربي وانخراط فلسطيني رسمي يتمثل باستمرار دور منظمة التحرير الفلسطينية ودور السلطة الفلسطينية التي ستطعم بحزمة من الإصلاحات والمصالحات، التي ستفرض على النخب الفلسطينية المختلفة، وستبدي هذه الحلول اهتمامها بتحسين الظروف الاقتصادية بحيث تحاول تثبيت مفهوم السلام الاقتصادي في الوعي الفلسطيني، حتى ولو اضطر الأمريكي الى اصدار وعود سياسية دون اليات لتطبيقها.
ان تاريخ النضال الفلسطيني يخبرنا أن دائرة القرار الوطني ظلت، في مراحل مختلفة، محصورة بدرجة كبيرة في الأطر التنظيمية والسياسية لفصائل منظمة التحرير، بينما بقيت شرائح واسعة من أصحاب رأس المال والمثقفين وأصحاب الخبرة والكفاءة الفكرية خارج هذه الدائرة، أو لم تُعط الدور الذي يتناسب مع حجم ما تمتلكه من إمكانات وعلاقات إقليمية ودولية، وللتذكير فقط أورد أسماء ادوارد سعيد، إبراهيم أبو لغد، حسيب الصباغ، سعيد خوري وغيرهم، والذين كان لهم حجم غير مسبوق من العلاقات مع دوائر القرار في الساحات الدولية، لما يملكونه من فكر وثقافة عبرت كل حدود الجغرافيا العالمية، وشركات ناجحة عبرت أيضا حدود القارات.
بداية اعتقد ان فلسطين بحاجة ماسة الي ان تكون هذه الشريحة من رجال الاعمال والمثقفين والتجارب الفلسطينية الناجحة في الصفوف الأولى، ويتوجب على جميع النخب الفلسطينية ان تعيد قراءة الوضع الفلسطيني على ضوء المستجدات التي حصلت بعد حرب الإبادة والتجويع على غزة وتغول الاستيطان وحرب المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس،
وقد تكون الاستطلاعات التي منحت القائمة التي شكلها السيد بشار المصري مع مجموعة من رجال الاعمال وتشاركها المرتبة الأولى مع قائمة الأخ مروان البرغوثي بنسبة ٢٢٪ لكل منهما، يعتبر في الحقيقة تعبيرا عن نبض الشارع، الذي يريد لهذه الشريحة ان تدخل المعترك السياسي.
اخذين في عين الاعتبار الحقائق التي فرضتها الحرب على المنطقة والتي أشرنا اليها في هدا المقال. يتوجب على النخب الفلسطينية ان تعيد النظر وتحدد، وبوضوح، المشروع الوطني الفلسطيني وبما يتناسب مع هذه المتغيرات، وان تضع اليات تطبيقه.
من المعروف انه ومنذ بدايات القرن العشرين قامت القيادات الفلسطينية بتعديل صيغة ومضمون المشروع الوطني الفلسطيني ليتواكب مع مجريات الاحداث في مراحل متعددة، ففي فترة ما قبل قيام دولة إسرائيل واثناء فترة الانتداب البريطاني كان المشروع الوطني هو تحقيق الاستقلال الفلسطيني، وقد رفضت هذه النخب في تلك المرحلة احد المشاريع التي طرحت والتي تقضي بإعطاء اليهود حكم ذاتي في دولة فلسطين، وبعد ان تم احتلال القسم الأكبر من فلسطين من قبل الإسرائيليين عام ١٩٤٨ وعدم السماح بإقامة كيان فلسطيني على الأراضي التي لم يتم احتلالها، اندلعت الثورة الفلسطينية المعاصرة ١٩٦٥ بمشروع وطني يقضي بتحرير كامل التراب الفلسطيني وترافق هذا الطرح مع لغة ديبلوماسية تقول بإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية على ارض فلسطين التاريخية، ما يعني عدم الممانعة في ان يكون اليهود احد مكونات الشعب في دولة فلسطين العربية المستقلة، ثم في عام ١٩٧٤، وبعد حرب ٧٣، واتجاه مصر نحو السلام، بدأ تسويق السلام كبديل للحرب، واصبح المشروع الوطني إقامة السلطة الفلسطينية على أي جزء يتم تحريره، وفي مرحلة لاحقة وبعد تبادل الاعتراف بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اعلان المبادئ في أوسلو، اصبح المشروع الوطني إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧، وقد اعتمد ذلك من الأمم المتحدة واصبح حل الدولتين احد المراجع التي تعتمدها الشرعية الدولية كوسيلة لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط واحلال السلام. الا ان هذا الحل ونتيجة لحركة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس واعداد المستوطنين الذين يسكنون فيها والذين تجاوز عددهم ال٧٥٠ الفا، إضافة الى تشريع الكنيست الإسرائيلي برفض حل الدولتين، لذلك، لم يعد هناك إمكانية لتطبيق حل الدولتين.
اعتقد، انه في الجانب الفلسطيني، هناك ضرورة قصوى لإعادة وضع تصور واضح للمشروع الوطني الفلسطيني مستندا الى تطورات ونتائج المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية سواء كانت العسكرية او تجربة المفاوضات، ومستندا كذلك الى مجموعة الحقائق التي اثبتتها مجريات الاحداث. وما أكدته الحرب الأخيرة التي أعقبت السابع من أكتوبر وتداعياتها التي سبق ذكرها في بداية هذا المقال، وحقيقة ان الولايات المتحدة الأميركية بإمكانياتها ووزنها كالقوة الأعظم في العالم حتى الان، ما زالت تصر على الهيمنة على المنطقة من خلال استمرار الصراع فيها وادارته بما يخدم استمرار هذه الهيمنة.
الحقائق التي تم ذكرها في مقدمة هذا المقال، تفيد باستحالة اعتماد أي من الحلول، سواء كانت عسكرية او سياسية، وهذا يعني انه حتى حل الدولتين قد انتهى ولا يمكن تطبيقه، فماذا نفعل؟
قسم منا سيستمر في محاولات المقاومة والقتال ويفترض بنا ان لا نقف ضد ذلك لان المقاومة يجب ان تستمر حتى ولو كانت ضعيفة.
القسم الاخر، او الشريحة الاكبر وهي الأغلبية، ستستمر في النضال السلمي على مساحة فلسطين التاريخية، ويجب ان يكون الحل النهائي المُستهدف بالنسبة لها، هو مصالحة تاريخية بين طرفي الصراع في فلسطين التاريخية، أساسها التساوي في الحقوق والواجبات بين جميع الذين يعيشون على ارضها. وهذا يعني ان المشروع الوطني الذي يتوجب تحديده هو المشروع القاضي بحصر اهداف المرحلة القادمة بالمطالبة بالمساواة بين جميع السكان على امتداد أراضي فلسطين التاريخية، والعمل على تجنيد العالم لمحاربة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي الابرتهايد لتتكرر تجربة جنوب افريقيا ويتم إقامة الدولة الديموقراطية فوق ارض فلسطين التاريخية.
اعتماد هذه الصيغة للمشروع الوطني الفلسطيني يضمن الحفاظ على استمرار الدعم الدولي لمطالب الفلسطينيين، وخصوصا في الغرب وتحديدا بين الأجيال الجديدة، باعتبارها مطالب تتوافق مع القانون الدولي، ومطالب تتعلق بالمساواة وحقوق الانسان، ومن شبه الأكيد ان ذلك سيلقى دعما على مستوى نخب المثقفين والمؤرخين والمشاهير اليهود في مختلف المدن والعواصم العالمية، اضافة الي نخب إسرائيلية عديدة صرحت بان الاعتراف بحقوق الفلسطينيين الإنسانية والسياسية، شرط أساسي لتحقيق السلام في المنطقة.
يتبع المقال الثاني حول النخب والقيادات الفلسطينية، ودورها في آلية تنفيذ المشروع الوطني.