أظهرت الحرب الإيرانية الأخيرة حدود الحديث عن استقلال القرار الإسرائيلي بصورة مطلقة وأعادت التأكيد على حجم التأثير الأمريكي في توجيه الخيارات السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية

الشهيد زياد عكاشة «أبو إياد»... سيرةُ رجلٍ عاش وفيًّا ورحل شهيدًا

الشهيد زياد عكاشة «أبو إياد»... سيرةُ رجلٍ عاش وفيًّا ورحل شهيدًا

تاريخ النشر: 2026-08-12 | 11:35

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

من زنزانة سجن غزة المركزي إلى ميادين العمل الوطني... ومن دروب فتح إلى الشهادة برفقة زوجته وابنه

ليست كل حياةٍ تُروى بعد الرحيل، وليست كل سيرةٍ تحتاج إلى كثيرٍ من الكلمات حتى تثبت أنها كانت حياةً تستحق أن تُحكى.

هناك رجالٌ تكتبهم المواقف قبل الأقلام، وتخلّدهم ذاكرة الناس قبل الكتب، ويصبح رحيلهم مناسبةً لاستعادة عمرٍ كاملٍ من الانتماء والعطاء والصبر.

ومن بين هؤلاء الرجال يأتي اسم الشهيد زياد سليمان عبد الجواد عكاشة «أبو إياد»، ابن معسكر جباليا، الذي عاش ستة عقودٍ حافلةً بالتجربة الوطنية والتنظيمية، وعرف السجن والانتفاضة والعمل والخدمة، ثم اختتم حياته شهيدًا في واحدة من أقسى صفحات الحرب، ليرحل معه في اللحظة ذاتها زوجته منال محمود النجار وابنهما الشهيد يوسف.

لكن حكاية زياد لا تقف عند لحظة استشهاده؛ فخلف الشهيد رجلٌ عاش سنواتٍ طويلةً من الوفاء، وخلف رحيله أسرةٌ دفعت ثمن الحرب من أرواحها وأجساد أبنائها.

ابن المخيم... حيث تبدأ الحكاية

وُلد زياد سليمان عبد الجواد عكاشة عام 1963، وعاش في معسكر جباليا – بلوك 6، ذلك المخيم الذي تشكلت في أزقته ذاكرة أجيالٍ من أبناء شعبنا، وحيث لم تكن فلسطين مجرد قضيةٍ تُقال، بل كانت انتماءً يسكن القلب، ووجعًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.

نشأ زياد ابنًا للمخيم، وعاش قريبًا من الناس، يعرف همومهم، ويحمل في داخله ذلك الشعور الذي رافق أبناء جيله: أن الوطن مسؤولية، وأن الانتماء ليس كلمةً تُقال، وإنما طريقٌ طويلٌ من الصبر والعمل والتضحية.

تزوج من السيدة منال محمود النجار، وأنجبا ثلاثة أبناء وبنتين، وبنى أسرته كما يحلم كل أبٍ بأن يعيش أبناؤه حياةً آمنةً ومستقرة.

لكن الحرب كانت لها حكايةٌ أخرى.

السجن الأول... حين بدأت الحكاية خلف القضبان

في عام 1986، اعتُقل زياد عكاشة في سجن غزة المركزي، وقضى خلف القضبان نحو عامٍ ونصف.

لم يكن الاعتقال بالنسبة إليه مجرد سنواتٍ تمر في حساب العمر، بل كان تجربةً قاسيةً تركت أثرها في شخصيته، وعرّفته مبكرًا على معنى الحرية، وقيمة الصبر، وثمن الانتماء.

ثم عاد الاعتقال إليه خلال الانتفاضة الأولى، فأمضى نحو ثلاثة أعوامٍ أخرى في الأسر.

سنواتٌ طويلة عاشها بعيدًا عن بيته وأهله، لكنه خرج من السجن أكثر تمسكًا بما آمن به.

فالسجن بالنسبة لزياد لم يكن نهاية الطريق، بل كان فصلًا من فصول حياته؛ فالزنزانة قد تحاصر الجسد، لكنها لا تستطيع أن تحاصر إرادة الإنسان حين يكون مؤمنًا بما يحمل في قلبه.

فتح... انتماءٌ رافقه حتى النهاية

أمضى الشهيد زياد عكاشة جانبًا كبيرًا من حياته في العمل التنظيمي داخل حركة فتح، وكان من الكوادر الفاعلة والمعروفة في محيطه التنظيمي والاجتماعي.

لم يكن انتماؤه مجرد اسمٍ أو صفة، بل كان حضورًا بين الناس، وعلاقةً بالرفاق، وشعورًا دائمًا بالمسؤولية.

كان من ذلك الجيل الذي رأى في التنظيم وسيلةً لخدمة القضية والناس، لا طريقًا للوجاهة أو البحث عن المواقع.

ولهذا بقي حاضرًا في ذاكرة رفاقه وأبناء بيئته، وبقيت له مكانته بين الذين عرفوه وعاشوا معه سنوات العمل الوطني والتنظيمي.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن رجلٍ مثل زياد أن سيرته لم تكن بحاجةٍ إلى المناصب حتى تُثبت حضوره؛ فقد ترك أثره في الناس قبل أن يترك اسمه في السجلات.

من العمل التنظيمي إلى الخدمة الوطنية

مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، التحق زياد بجهاز الأمن الوقائي، ثم انتقل لاحقًا إلى جهاز اللاسلكي، حيث واصل عمله وخدمته حتى تقاعده برتبة نقيب.

كانت الرتبة محطةً في مسيرته المهنية، لكنها لم تكن هويته الحقيقية.

فالرجل الذي عرف السجن، وعاش الانتفاضة، وخاض سنوات العمل التنظيمي، لم يكن يرى في الوظيفة أكثر من مسؤوليةٍ يؤديها بإخلاص.

ظل ابن المخيم حاضرًا في شخصيته، وظل الرفيق والأب والزوج والرجل القريب من الناس حاضرًا بعيدًا عن الرسميات.

وحين تقاعد من الوظيفة، لم يتقاعد انتماؤه.

فالانتماء الحقيقي لا ينتهي بقرار تقاعد، والعمل الوطني الذي يسكن القلب لا يُحال إلى المعاش.

في البيت... كان زياد الأب قبل كل شيء

بعيدًا عن السجن والتنظيم والعمل والوظيفة، كان هناك عالمٌ آخر أكثر قربًا إلى قلب زياد: الأسرة.

كان زوجًا لمنال، وأبًا لثلاثة أبناء وبنتين.

وفي بيته لم يكن «أبو إياد» النقيب ولا الكادر التنظيمي، بل كان الأب الذي يحمل همّ أبنائه، والزوج الذي تشاركه زوجته تفاصيل الحياة، والرجل الذي يحلم بأن يرى أبناءه يكبرون أمام عينيه.

كانت الأسرة بالنسبة إليه وطنًا صغيرًا، وكان البيت مساحةً للحب والأمان والراحة بعد سنواتٍ طويلةٍ من التعب.

لكن الحرب التي اجتاحت غزة لم تترك للأسر بيوتها، ولا للآباء أحلامهم.

الحرب... حين تحولت الأسرة إلى شهيدٍ وجرحى

جاءت الحرب، وجاء معها ذلك اليوم القاسي الذي غيّر حياة أسرة زياد عكاشة إلى الأبد.

استشهد زياد عكاشة «أبو إياد»، واستشهدت معه زوجته منال محمود النجار، وابنهما يوسف.

أبٌ وأمٌ وابنٌ ارتقوا معًا، تاركين خلفهم بيتًا مثقلًا بالفقد، وأبناءً لم يعد لهم سوى الصور والذكريات.

لكن المأساة لم تتوقف عند الشهداء الثلاثة.

فقد كان الابنان حمادة وإياد إلى جوار والديهما وشقيقهما يوسف، وشاهدا تلك اللحظة التي قسمت حياتهما إلى ما قبلها وما بعدها.

تعرض حمادة لإصابة بالغة أدت إلى بتر ساقيه الاثنتين، ليكمل حياته بجسدٍ يحمل أثر الحرب، وقلبٍ يحمل وجع فقد والده ووالدته وشقيقه.

أما إياد، فقد أصيب في ساقيه الاثنتين إصاباتٍ خطيرة، واضطر إلى تركيب صفائح بلاتين في كلتا ساقيه، وما زال حتى اليوم يعيش مع آثار إصابته، يحمل في جسده ذاكرة الألم، وفي قلبه ذاكرة البيت الذي فقد فيه والده وأمه وشقيقه يوسف.

وهكذا لم تكن مأساة أسرة زياد عكاشة مجرد استشهاد ثلاثة من أفرادها؛ بل كانت عائلةً كاملةً دفعت من أرواحها وأجساد أبنائها ثمنًا باهظًا للحرب.

في ضربة شارع الهوجا، التي خلفت عددًا كبيرًا من الشهداء والضحايا، كانت أسرة زياد واحدةً من الأسر التي فقدت أعز ما تملك.

رحل الأب...

ورحلت الأم...

ورحل يوسف...

وبقي حمادة وإياد يحملان أسماء من فقدوهما، ويحملان في جسديهما آثار الجرح، وفي قلبيهما حكاية بيتٍ لم يعد كما كان.

ستة عقود... لم تكن أعوامًا عابرة

رحل زياد عكاشة عن عمر ستين عامًا.

لكن الستين عامًا لم تكن مجرد رقمٍ في دفتر الحياة.

كانت سيرةً من السجن، والانتفاضة، والعمل التنظيمي، والخدمة الوطنية، والأسرة، والصبر، ثم الشهادة.

كان فيها الشاب الذي دخل السجن، والأسير الذي صبر، والفتحاوي الذي أمضى سنواتٍ في العمل التنظيمي، والموظف الذي خدم في مؤسسات الوطن، والنقيب الذي أنهى خدمته، والزوج الذي عاش إلى جانب منال، والأب الذي أحب أبناءه، ثم الشهيد الذي ارتقى برفقة زوجته وابنه.

ولهذا حين نذكر زياد اليوم، لا ينبغي أن نتذكر لحظة استشهاده فقط.

علينا أن نتذكر الرجل الذي سبق الشهيد.

نتذكر حياته، ومواقفه، وصبره، وانتماءه، وخدمته، وأسرته، والسنوات التي عاشها وفيًّا لما آمن به.

يا أبا إياد... لم تكن حياتك خبرًا عابرًا

يا زياد عكاشة «أبو إياد»...

حين نكتب عنك اليوم، لا نريد أن نحول حياتك إلى كلماتٍ عابرة في ذكرى عابرة.

نريد أن نقول لمن لم يعرفك:

كان هنا رجل.

رجلٌ عرف السجن ولم يتراجع.

وعرف الانتفاضة وظل متمسكًا بانتمائه.

وعرف العمل التنظيمي وتعامل معه باعتباره مسؤوليةً لا امتيازًا.

وخدم في مؤسسات الوطن حتى تقاعده.

وبقي ابنًا للمخيم، وواحدًا من أبناء فتح، حتى آخر العمر.

ثم جاءت الحرب، فأخذتك من بين أهلك، وأخذت معك زوجتك منال وابنك يوسف.

لكنها لم تستطع أن تأخذ سيرتكم.

سيبقى الاسم... وستبقى الحكاية

يا أبا إياد...

ربما رحل جسدك، لكن اسمك بقي.

بقي في ذاكرة رفاقك، وفي بيت أبنائك، وفي ذاكرة معسكر جباليا، وفي كل من عرفك وعاش معك سنوات العمل والنضال.

وستبقى منال إلى جوارك في الذاكرة، كما كانت إلى جوارك في الحياة.

وسيظل يوسف ابنك الذي ارتقى معك شاهدًا على قسوة الحرب، وسيبقى حمادة وإياد شاهدين حيّين على المأساة؛ أحدهما فقد ساقيه، والآخر ما زال يحمل صفائح البلاتين في ساقيه، وكلاهما يحمل في قلبه صورة الأب والأم والأخ الذي رحل.

إن الشهادة لا تعني نهاية الإنسان؛ فبعض الرجال يبدأ حضورهم الحقيقي في ذاكرة الناس بعد رحيلهم.

والذين يعيشون من أجل الناس لا يغيبون بسهولة، لأنهم يتركون وراءهم ما هو أبقى من الصور:

السيرة.

والسيرة الطيبة لا تحتاج إلى كثيرٍ من الزخرفة؛ يكفي أن تكون صادقة.

وزياد عكاشة ترك سيرةً تستحق أن تُروى.

سلامٌ عليك يا أبا إياد

سلامٌ عليك يوم كنت بين أهلك ورفاقك.

سلامٌ عليك يوم حملت مسؤولية الوطن.

سلامٌ عليك يوم دخلت السجن ولم تنكسر.

سلامٌ عليك يوم خرجت منه لتواصل طريقك.

سلامٌ عليك يوم خدمت في مؤسسات السلطة الوطنية.

سلامٌ عليك يوم بقيت وفيًّا لرفاقك وانتمائك.

وسلامٌ عليك يوم ارتقيت شهيدًا، ومعك زوجتك منال وابنك يوسف.

ورحم الله أبناء شعبنا الذين فقدوا حياتهم في هذه الحرب، ورحم الله كل الشهداء.

ورحم الله رجلًا عاش عمره وفيًّا لما آمن به، ومضى تاركًا خلفه اسمًا لا يُنسى، وسيرةً لا تنتهي.

فالأوطان لا تحفظ أبناءها بعدد الصور، بل بما تركوه من أثر.

وزياد عكاشة ترك أثرًا...

وسيظل اسمه، ما بقيت في المخيم ذاكرة، يُروى كما تُروى سيرة الرجال.

×
أخبار
ف.بوليسي: "صفقات ترامب" في الشرق الأوسط تعمل ضد نفسها وتسلّح المتنافسين وزراء خارجية مجموعة العشرين يدعون لحماية الممرات البحرية وإمدادات الطاقة تل أبيب: الآلاف يتظاهرون للمطالبة بتشكيل حكومة يهودية عربية فورًا بعد رسالة فانس.. رضائي يتحدث عن تغير لهجة واشنطن والعقيدة النووية الهند تقترب من منح شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية عقداً بقيمة 905.7 مليون دولار التقى لابيد..آيزنكوت يحدد 4 مبادئ لتشكيل "حكومة صهيونية واسعة" روبيو: ترامب لم يتخذ قرارا بشأن تنفيذ عمل عسكري ضد إيران الأمن الروسي: تلقينا معلومات من الجانب الأمريكي حول هجوم إرهابي محتمل في متحف موسكو بترا: الجيش الأردني يعلن إحباط تسلل مجموعة مسلحة من سوريا خبراء: الاستطلاعات الإلكترونية وغياب الشفافية وراء الفجوة بين توقعات القنوات الإسرائيلية والنتائج الفعلية السودان: مطار أصوصا الإثيوبي يستخدم كمنصة لإطلاق مسيرات الدعم السريع خبيرة استراتيجية تصف الحرب الأمريكية على إيران بـ"الأكثر غباءً في التاريخ" تعليمات جديدة لشركات الطيران القادمة لتل أبيب بعد حادثة "فلاي دبي" بيرنهام منفتح على تقديم اعتذار رسمي عن دور بريطانيا في تجارة العبيد الشيباني: سورية تبحث الانضمام إلى "حلف مكة" السعودي الباكستاني التركي إعلام إيراني: هجوم أمريكي يستهدف قاربي صيد قبالة جزيرة قشم..فقدان شخصين تليغراف: مجتبى خامنئي يعقد اجتماعات سرية لإثبات سيطرته على الحكم في إيران الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,594 شهيدا ترامب أخيرا نطقها: أنا لص وليس محرر إنساني! جيش الاحتلال يواصل عدوانه على مدينة الخليل لليوم التاسع حصارا واعتقالات وهدم انقلاب في بولندا.. الرئيس يقطع رحلته ويقتحم المحكمة الدستورية- فيديو صحيفة: إسرائيل توسّلت لبريطانيا تأجيل الاعتراف بدولة فلسطين ترامب: أمريكا كسبت من فنزويلا 10 أضعاف ما أنفقته ضد إيران مسؤول إيراني يكشف لـ"سي إن إن" عن أهداف طهران الانتقامية إذا هاجمتها أمريكا أو إسرائيل روسيا وأمريكا تستخدمان الفيتو ضد قرارين بالأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية التحالف: الدفاع الجوي اعترض ودمر مسيرة معادية بمنطقة الرياض رئيس وزراء كندا كارني: سأنتظر رئيساً جديداً لأمريكا حول الاتفاقية التجارية بن رودس: حرب إدارة بايدن في غزة "تطرف سياسي".. ومسؤولون أمريكيون مكّنوا لجرائم حرب بشروط معدومة الخزانة الأمريكية: مساعي إيران لتحويل تجارتها إلى الطرق البرية "فشلت" تقرير: "الاستمرار في المسار الحالي" هو الخيار الأقل سوءاً لأمريكا في مواجهة إيران

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط