تتفاقم جرائم حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، وتزداد يوميا جرائم الاغتيالات والتدمير المتواصل حيث يسقط في غزة المزيد والمزيد من الشهداء والجرحى وسط استمرار القصف وتدمير المنازل و البنية التحتية والطرق المتهالكة، في ظل قيام الدبابات الإسرائيلية بتقديم المكعبات الإسمنتية الصفراء إلى الأمام لتوسيع مناطق السيطرة العسكرية وفرض المزيد من التضييق وتشديد الخناق على أهل غزة المحاصرين في مساحة محدودة من القطاع المدمر، حيث يعيش قرابة أكثر من مليوني مواطن فقير ومعدم في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، يعيشوا ويتنقلوا بين حطام الأبنية المدمرة والخيام ومراكز الإيواء هنا وهناك وشاطئ البحر ، في مشهد أليم تختلط فيه المعاناة بالخوف من المستقبل.
وإذا نوهنا في هذا المقال إلى الواقع المأساوي الصحي والميداني حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية بغزة مع استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول المساعدات ومواد الإغاثة وإعادة الإعمار، فيما يعيش آلاف المرضى والجرحى أوضاعًا إنسانية وصحية قاسية، حيث لا تزال آثار الحرب ماثلة في كل شارع وحي ومدينة من مدن القطاع في مشهد تختلط فيه المعاناة الإنسانية مع الخوف من المستقبل.
ام المشهد السياسي في الكيان الإسرائيلي فإن الأمور تزداد سخونة في المشهد مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وتعقيدات الأوضاع في الكيان الإسرائيلي مهمة لأنها تمثل أول انتخابات عامة إسرائيلية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة .
ويبدو لدى كاتب المقال أن غزة تعتبر ساحة صراع وتنافس بين الأحزاب السياسية في الكيان أكثر من أية ساحة أخرى حيث تحولت غزة إلى واحدة من أبرز القضايا التي تتنافس حولها الأحزاب الإسرائيلية، ولا سيما قوى اليمين الإسرائيلي واليمين المتطرف، التي تطرح دوما مواقف أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين ومستقبل القطاع، خاصة في ظل التصريحات السياسية الأخيرة لشخصيات حكومية بارزة في الكيان تقوم بطرح أفكار تتعلق باستمرار حرب الإبادة الجماعية وتشديد السيطرة العسكرية الإسرائيلية على غزة والعمل على تهجير وتشريد الفلسطينيين من غزة، حيث أعلنها مؤخرا وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أن في حالة حصول عملية خطف محتملة لاحد الجنود الإسرائيليين في غزة، عندها سيعمل الجيش الإسرائيلي على اقتحام ما تبقى من مدينة غزة والبدء بتهجير أهل غزة إلى الجنوب، كما تحدث وزير الأمن القومي في الكيان إيتمار بن غفير عن خطة تمتد لسنوات لإخراج سكان القطاع تحت مسمى «الهجرة الطوعية»، وتأتي هذه التصريحات قبل أسابيع من الانتخابات، الأمر الذي يربط بشكل مباشر بين مستقبل قطاع غزة والصراع السياسي داخل الكيان الإسرائيلي.
إن متابعة الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة تكشف تصاعد استخدام مفردات الأمن والحرب والتهجير والسيطرة على الأرض، في محاولة لتقديم مواقف أكثر تشددًا أمام الناخب في الكيان الإسرائيلي. ويتزامن ذلك مع زيادة كبيرة في اقتحامات المستوطنين الصهاينة لباحات المسجد الأقصى المبارك وسط الاعتداءات على المصلين ومطارداتهم واعتقالهم واستمرار تنفيذ سياسة الابعاد عن المسجد الأقصى بحق اهلنا بالقدس مع استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية؛ حيث أضيف مؤخرًا عطاء لبناء 2167 وحدة استيطانية ضمن مشروع «E1»، على أن يبدأ تقديم العطاءات قبل يومين فقط من موعد الانتخابات الإسرائيلية.
ولا يبدو أن التنافس في الانتخابات داخل معسكر اليمين يدور فقط حول إدارة الحرب، بل يتصل أيضًا بتصورات أوسع لمستقبل القضية الفلسطينية، والعمل على حل نهائي لها وتهجير الفلسطينين إلى دول مجاورة، فينا تدفع بعض القوى اليمينية الإسرائيلية باتجاه توسيع الاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية نهائيا حتى على حدود 67، كما تطرح قوى يمينية أخرى أفكارًا تتعلق بإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي والديمغرافي في غزة والضفة المحتلة.
هذه التصريحات تثير مخاوف عميقة من أن تتحول حرب الإبادة الجماعية المستمرة على غزة والدمار والنزوح إلى أدوات لفرض واقع جديد على الأرض تعمل اسرائيل على تثبيته وتشريعه أمام دول العالم.
إن أخطر ما في المشهد المخيف أن الانتخابات الإسرائيلية القادمة تأتي في وقت ما تزال فيه غزة تنزف، وما تزال آثار الحرب والدمار والنزوح حاضرة بقوة، لذلك فإن تصاعد خطاب اليمين المتطرف، وتوظيف ملف غزة في المنافسة السياسية، يفتحان الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا تحولت الأفكار المتعلقة بالتهجير والاستيطان والسيطرة إلى سياسات عملية.
ويبقى الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس أمام معادلة شديدة القسوة: حرب ودمار وحصار من جهة، وتصاعد خطاب سياسي إسرائيلي يربط مستقبل غزة والضفة والقدس المحتلة بمشروعات التهجير والسيطرة من جهة أخرى.
بينما تتجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع وتزداد حدة التنافس بين الأحزاب السياسية في الكيان تظل غزة الجريحة غزة المكلومة الأليمة تنتظر ما هو أبعد من مسخرة ما يسمى الانتخابات الإسرائيلية؛ تنتظر غزة العمل على وقف نزيف الدم وجرائم الإبادة، والعمل على فتح المعابر، ودخول المساعدات، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وضمان حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وتقرير مستقبلهم.