تاريخ النشر: 2026-09-27 | 15:28
تاريخ النشر: 2026-09-27 | 15:28
منذ حرب أكتوبر 1973، والشرق الأوسط يعيش على إيقاع متواصل من الحروب والأزمات والتوترات، تتغير ساحاتها وأطرافها، بينما يبقى السؤال قائماً: هل ما يجري مجرد تراكم عشوائي لصراعات متداخلة، أم أن هناك قوى تمتلك القدرة على إدارة هذه الصراعات والاستفادة من نتائجها، بحيث تتحول الفوضى من حالة طارئة إلى بيئة سياسية واقتصادية قابلة للاستثمار؟
لا أقصد بـ«الفوضى المحسوبة» القول إن كل حرب صُنعت مسبقاً في غرفة مغلقة، أو أن كل حدث في المنطقة جرى التخطيط له من قوة واحدة. المقصود أكثر تعقيداً: أن الفوضى، حين تطول وتصبح قابلة للإدارة والتوظيف، قد تتحول إلى مصدر نفوذ ومصالح، وأن بعض القوى قد لا تكون بحاجة إلى صناعة الأزمة كي تستفيد منها؛ يكفي أن تملك القدرة على إدارة نتائجها وتوجيه مساراتها.
وهنا تبدأ الحكاية من إدارة الصراع، لا من حسمه.
من حسم الصراع إلى إدارة الصراع
بعد حرب أكتوبر 1973، دخل الصراع العربي الإسرائيلي مرحلة جديدة اتجهت فيها السياسة الأمريكية بصورة متزايدة إلى إدارة الصراع واحتوائه، عبر اتفاقات وتسويات جزئية، بدلاً من الوصول إلى حل شامل يعالج جذوره، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية والقضية الفلسطينية.
خفّت حدة بعض المواجهات، لكن أصل المشكلة بقي قائماً. جرى إغلاق بعض الجبهات، بينما بقيت جبهات أخرى مفتوحة، وأصبح تأجيل الحل النهائي جزءاً من المشهد السياسي.
وفي الوقت نفسه، دخل الشرق الأوسط في سلسلة متلاحقة من الصراعات: الحرب العراقية الإيرانية، حرب الخليج، أزمات لبنان وسوريا والعراق واليمن، والتوترات في الخليج والبحر الأحمر، فضلاً عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي ظل مفتوحاً لعقود.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديداً: من يستفيد اقتصادياً وسياسياً من استمرار هذه الحالة؟ ومن يملك القدرة على تحويل اضطرابات المنطقة إلى نفوذ وأرباح وأسواق؟
شاه إيران واتفاق الجزائر والثورة الإيرانية
في هذه القراءة لا يمكن تجاوز محطة إيران.
ففي 6 مارس 1975 وُقّع اتفاق الجزائر بين إيران والعراق برعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين، وأنهى جانباً رئيسياً من النزاع بين البلدين، ولا سيما بشأن شط العرب، وترافق مع وقف الدعم الإيراني للتمرد الكردي في العراق. وتظهر الوثائق الأمريكية المنشورة أن واشنطن كانت تتابع الاتفاق عن كثب، وأن برنامج المساعدة الأمريكية للأكراد انتهى بعد توقف دعم الشاه لهم في إطار الاتفاق.
وفي ذلك الوقت كان نظام الشاه حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وكانت العلاقات العسكرية والاقتصادية والنفطية بين واشنطن وطهران واسعة.
ثم، بعد أقل من أربع سنوات، سقط نظام الشاه ونجحت الثورة الإيرانية عام 1979.
لا تكفي هذه الوقائع لإثبات أن الولايات المتحدة صنعت الثورة أو خططت لها؛ فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة. لكن تتابع الأحداث ونتائجها اللاحقة يفرض نفسه على الباحث: حليف استراتيجي لواشنطن يتحول إلى خصمها الأكبر، وإيران تتحول من ركيزة في منظومة النفوذ الأمريكي في الخليج إلى قوة إقليمية تواجه الولايات المتحدة و«إسرائيل»، ثم تصبح طرفاً مؤثراً في ساحات صراع متعددة.
وهنا تكمن أهمية فرضية «الفوضى المحسوبة»: ليس بالضرورة في إثبات من صنع الحدث، وإنما في قراءة ما الذي أنتجته الأحداث المتراكمة، ومن الذي استطاع توظيف نتائجها لمصلحته؟
من هي القوى المستفيدة؟
إذا انتقلنا من السياسة إلى الاقتصاد، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
هناك أولاً المجمع الصناعي العسكري وشركات إنتاج السلاح والخدمات العسكرية. فكلما طال الصراع، ارتفعت حاجة الدول إلى الطائرات والصواريخ والدفاعات الجوية والذخائر والسفن وأنظمة المراقبة والأمن الإلكتروني.
ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغت إيرادات أكبر مئة شركة عالمية لإنتاج السلاح والخدمات العسكرية 679 مليار دولار عام 2024، وهو أعلى مستوى يسجله هذا التصنيف. وكانت الشركات الأمريكية في المقدمة بإيرادات بلغت 334 مليار دولار، فيما بلغت إيرادات الشركات الأوروبية 151 ملياراً، والشركات الآسيوية والأوقيانية 130 ملياراً. كما بلغ مجموع إيرادات الشركات التسع الموجودة في الشرق الأوسط والمدرجة في التصنيف نحو 31 مليار دولار.
هذه الأرقام لا تثبت أن شركات السلاح تشعل الحروب، لكنها تثبت شيئاً آخر مهماً: الحروب والتوترات تخلق طلباً هائلاً على منتجاتها، وأن استمرار التسلح يمثل سوقاً ضخمة ذات مصالح اقتصادية مباشرة. وقد ربط سيبري الارتفاع القياسي في إيرادات صناعة السلاح في 2024 بارتفاع الطلب الناجم عن الحروب في أوكرانيا وغزة والتوترات الجيوسياسية وارتفاع الإنفاق العسكري.
وثانياً، هناك قطاع الطاقة، ولا سيما صناعة النفط والغاز الأمريكية.
وهنا ينبغي الانتباه إلى خصوصية النفط الصخري الأمريكي. فارتفاع أسعار النفط العالمية لا يعني فقط ارتفاع تكلفة الطاقة على المستهلك؛ بل يمكن أن يجعل إنتاج النفط الصخري الأمريكي أكثر جدوى اقتصادية ويشجع الشركات على زيادة الحفر والإنتاج.
وهذا ليس افتراضاً نظرياً. فقد أكدت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن ارتفاع أسعار خام غرب تكساس في 2026 فوق مستويات التعادل في حوض برميان دعم الحفر الموجه لإنتاج النفط. وحتى أغسطس 2026 بلغ متوسط سعر خام غرب تكساس نحو 84 دولاراً للبرميل، في حين أبلغ منتجو النفط عن نقاط تعادل تقارب 69 دولاراً في حوض ميدلاند و63 دولاراً في حوض ديلاوير.
وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات الجيوسياسية يمكن أن يحمل كلفة على المستهلك العالمي، وفي الوقت نفسه يخلق حافزاً اقتصادياً لمنتجي النفط الأعلى تكلفة أو الأقل تنافسية.
وقد تحولت الولايات المتحدة بالفعل إلى أكبر منتج للنفط الخام في العالم؛ إذ بلغ إنتاجها في 2025 مستوى قياسياً قدره 13.6 مليون برميل يومياً، وكان حوض برميان وحده يمثل نحو 48% من الإنتاج الأمريكي. كما تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة إلى أن الإنتاج الأمريكي يتفاعل بصورة واضحة مع حركة الأسعار، خصوصاً في إنتاج النفط الصخري.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة: قد يدفع المستهلك في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو حتى الولايات المتحدة ثمناً أعلى للطاقة عندما ترتفع الأسعار بسبب اضطرابات الشرق الأوسط، بينما تتحسن في المقابل الجدوى الاقتصادية لإنتاج النفط الصخري الأمريكي.
وهذه ليست دعوة إلى اتهام شركات النفط بأنها تصنع الأزمات، وإنما دعوة إلى فهم توزيع المكاسب والخسائر الناتج عن استمرارها.
المستفيدون السياسيون أيضاً
ولا تقتصر المسألة على الاقتصاد.
فهناك قوى سياسية تجد في استمرار التوتر مصلحة استراتيجية؛ فاليمين الإسرائيلي المتشدد يستطيع استخدام استمرار الصراع لتأجيل استحقاقات التسوية، وتوسيع خطاب الأمن، وتبرير استمرار الاحتلال والاستيطان والتسلح.
وفي الجانب الآخر، تستفيد بعض التيارات الإقليمية والإسلام السياسي من استمرار الصراع في إعادة إنتاج خطاب التعبئة والمواجهة وتوسيع نفوذها، كما تستفيد قوى إقليمية أخرى من الفراغات التي تتركها الحروب لتعزيز نفوذها وامتدادها.
وهكذا تتقاطع مصالح متناقضة أحياناً: قد تختلف هذه القوى في أهدافها وشعاراتها، لكنها تلتقي عملياً في نتيجة واحدة هي استمرار الصراع وتأجيل التسوية.
ولهذا فإن «الفوضى المحسوبة» ليست بالضرورة تحالفاً سرياً بين جميع هذه الأطراف؛ بل قد تكون تقاطعاً في المصالح والنتائج بين أطراف متصارعة أصلاً.
ومن يدفع الثمن؟
هنا تظهر الصورة الأكثر قسوة.
الفلسطيني يدفع الثمن من أرضه وبيته وحياته ومستقبل أبنائه. واللبناني والعراقي والسوري واليمني وغيرهم يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم واقتصاداتهم.
لكن الفاتورة لا تتوقف عند حدود المنطقة.
فكل اضطراب كبير في الخليج أو البحر الأحمر أو الممرات البحرية الدولية يمكن أن ينعكس على النفط والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد. وتنتقل هذه الكلفة في النهاية إلى المستهلكين في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا، عبر أسعار الوقود والغذاء والنقل والتأمين.
وهكذا يصبح المواطن العادي، الذي لا علاقة له بصناعة القرار العسكري والسياسي، أحد أكبر من يدفعون ثمن القرارات التي لم يشارك في صنعها.
فلسطين: الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
وفي قلب هذه الدائرة تبقى فلسطين.
فإذا كان الهدف فعلاً هو تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، فإن إبقاء القضية الفلسطينية بلا حل يعني إبقاء أحد أهم مصادر التوتر مفتوحاً.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وربطت ذلك بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ومع ذلك، ما زال مسار السلام الفلسطيني الإسرائيلي يتعثر، فيما تتقدم القوى الرافضة للتسوية، وتتحول القضية الفلسطينية من قضية يفترض أن تبحث عن حل إلى قضية تُدار أزمتها جيلاً بعد جيل.
وهنا جوهر المشكلة: إدارة الصراع ليست حلاً للصراع.
لماذا يُضيَّق على صوت السلام؟
في هذا السياق يصبح التعامل مع الصوت الفلسطيني جزءاً من الصورة الأوسع.
فإذا كان الفلسطيني يطالب بإنهاء الاحتلال وتحقيق حقوقه الوطنية وفق القانون الدولي، وإذا كان الحل السياسي هو الطريق الذي تنادي به قرارات الأمم المتحدة ومبادرات السلام، فلماذا يُنظر إلى الصوت الفلسطيني أحياناً من زاوية أمنية، بدلاً من اعتباره جزءاً أساسياً من الحل؟
إن منع أو تقييد حضور الصوت الفلسطيني في المحافل الدولية، في الوقت الذي تستطيع فيه أطراف إقليمية أخرى عرض مواقفها، يطرح سؤالاً سياسياً أكبر من مسألة التأشيرة أو البروتوكول: هل يريد العالم حل الصراع فعلاً، أم يريد فقط إدارة صراعاته؟
الفوضى المحسوبة… ماذا تقول النتائج؟
قد يختلف الباحثون حول المصطلح، وقد يرفض البعض وصف «الفوضى المحسوبة». وهذا أمر مشروع.
لكن الوقائع المتراكمة تستحق أن تُقرأ كوحدة واحدة: صراعات تتجدد، سباقات تسلح تتوسع، أسواق سلاح تزدهر، أسعار طاقة تتأثر بالأزمات، ممرات تجارية تتحول إلى ساحات توتر، قوى إقليمية توسع نفوذها، وقضية فلسطينية ما زالت بلا حل رغم عشرات السنين من المفاوضات والقرارات الدولية.
هل يمكن تفسير كل ذلك باعتباره مجرد سلسلة من المصادفات؟
ربما تختلف الإجابات.
لكن المؤكد أن هناك قوى اقتصادية وسياسية تملك مصلحة في استمرار بعض عناصر هذه البيئة، أو تستفيد منها عندما تستمر، بينما لا تزال الشعوب هي الطرف الأقل قدرة على التأثير والأكثر تحملاً للكلفة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: من أشعل كل حرب؟
بل: من يستفيد عندما لا تنتهي الحرب؟ ومن يخسر عندما لا يبدأ السلام؟
من الاستثمار في الحرب إلى الاستثمار في السلام
لقد آن الأوان للخروج من هذه الدائرة.
كفى استثماراً في الحروب وعدم الاستقرار.
لنستثمر في السلام.
لنستثمر في الإنسان، لا في قتل الإنسان.
لنستثمر في المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع والبنية التحتية، بدلاً من استنزاف الموارد في سباقات التسلح.
ولنستثمر في حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً قائماً على القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره، وبناء نظام إقليمي يحقق الأمن للجميع، لا أمناً يقوم على إخضاع طرف وإبقاء طرف آخر في حالة خوف دائم.
فالاستثمار في السلام ليس صفقة يخسر فيها طرف ليربح آخر؛ إنه المجال الذي يمكن أن يكون فيه الجميع رابحين.
أما الاستثمار في الحروب، فقد يمنح بعض الأطراف أرباحاً ونفوذاً في لحظة معينة، لكنه يوسع دائرة الخسارة على المدى الأبعد.
السلام يوسّع دائرة الرابحين، أما الحرب فتوسّع دائرة الخاسرين.
والشرق الأوسط اليوم أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في إدارة الفوضى، بكل ما تتيحه من أسواق للسلاح ومصالح للطاقة ونفوذ للقوى السياسية، وإما امتلاك الشجاعة السياسية للانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، ومن إدارة الصراع إلى صناعة السلام.