كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أولريش زيغموند.. بائع العطور الذي أعاد تسويق اليمين الألماني للناخبين الغاضبين

أولريش زيغموند.. بائع العطور الذي أعاد تسويق اليمين الألماني للناخبين الغاضبين

تاريخ النشر: 2026-09-10 | 11:13

برلين: قبل أكثر من عقد، حاول أولريش زيغموند، الشاب الألماني الطموح آنذاك، إقناع هيئة النقل العام في برلين باستخدام رائحة الفانيليا داخل محطات المترو، معتقداً أن التأثير في حاسة الشم يمكن أن يساعد على تهدئة الركاب وتحسين سلوكهم. لم تجد الفكرة قبولاً، لكن صاحبها عاد بعد سنوات ليطبق، بطريقة مختلفة تماماً، معرفته بالتسويق والسلوك الإنساني في المجال السياسي، محولاً نفسه إلى أحد أبرز وجوه حزب «البديل من أجل ألمانيا» وأكثرها قدرة على الوصول إلى قطاعات من الناخبين الذين ابتعدوا طويلاً عن الأحزاب التقليدية.

ويكشف تقرير نشرته صحيفة ذا تايمز البريطانية في 6 سبتمبر 2026، وأعده مراسلها في برلين أوليفر مودي، كيف انتقل زيغموند، البالغ من العمر 35 عاماً، من عالم التسويق والعطور إلى صدارة المشهد السياسي في ولاية سكسونيا-أنهالت، حيث أصبح أحد أكثر السياسيين الشعبويين تأثيراً في ألمانيا، ونجح في توسيع قاعدة حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى شرائح لم تكن محسوبة تقليدياً على اليمين المتشدد.

ولد زيغموند عام 1990 في عائلة كاثوليكية، ونشأ في مدينة تانغرموندة، وهي بلدة تاريخية صغيرة تقع إلى الغرب من برلين. ولم يسلك في بداياته مساراً أكاديمياً أو سياسياً تقليدياً، بل تلقى تدريباً مهنياً أهله للعمل في تجارة الجملة والتصدير، قبل أن ينتقل إلى برلين بعد انتهاء دراسته عام 2011.

عمل نحو ثلاث سنوات في مجال التسويق لدى عيادة للعيون، ثم أسس شركته الخاصة «Reima AirConcept»، المتخصصة في التسويق باستخدام الروائح. وفي الوقت نفسه، درس علم النفس التجاري عن بعد، وتركزت أطروحته على فكرة إمكانية التأثير اللاواعي في سلوك المستهلكين من خلال حاسة الشم، مثل استخدام روائح معينة في المتاجر لتحسين الحالة المزاجية للزبائن وزيادة استعدادهم للشراء.

هذه الخلفية التسويقية أصبحت لاحقاً جزءاً رئيسياً من طريقته في ممارسة السياسة.

من المحافظين إلى «البديل»

بدأ زيغموند نشاطه السياسي عضواً في الحزب المسيحي الديمقراطي، قبل أن ينتقل عام 2014 إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»، بعد نحو عام فقط من تأسيس الحزب.

ولم يحتج صعوده داخل الحزب إلى وقت طويل. فخلال عامين تمكن من الفوز بمقعد في برلمان ولاية سكسونيا-أنهالت، ثم أصبح بحلول عام 2022 أحد الرئيسين المشاركين للكتلة البرلمانية للحزب.

ورغم هذا الصعود التنظيمي، ظل اسمه لفترة طويلة غير معروف على نطاق واسع خارج الدوائر السياسية في الولاية. إلا أن موقعه تغير بصورة واضحة عندما أُسندت إليه قيادة الحملة الانتخابية للحزب، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء حضوره الشعبي والإعلامي.

لم يعتمد زيغموند على الخطاب السياسي التقليدي وحده، بل ركز بصورة مكثفة على شبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً منصة «تيك توك»، حيث جمع أكثر من 880 ألف متابع، وهو رقم يضعه في موقع متقدم مقارنة بمعظم السياسيين الألمان التقليديين.

وقد نجح في تقديم نفسه بصورة تختلف عن الصورة النمطية لسياسيي اليمين المتشدد؛ فهو شاب، هادئ المظهر، يستخدم رسائل قصيرة ومباشرة، ويتعامل بمرونة مع الجمهور الرقمي، كما يبدو أكثر ارتياحاً من كثير من زملائه في التعامل مع وسائل الإعلام والصحفيين.

هذه القدرة على الجمع بين الخطاب الشعبوي وأدوات التسويق الحديثة منحته قدرة استثنائية على الوصول إلى ناخبين لم يكن حزب «البديل» قادراً في السابق على استقطابهم.

استعادة الناخبين المنسحبين

من أبرز عناصر ظاهرة زيغموند نجاحه في حشد أكثر من 150 ألف ناخب كانوا في السابق محبطين من العملية السياسية أو يمتنعون عن التصويت.

وتشير تقديرات شركات استطلاع الرأي الواردة في التقرير إلى أن نحو واحد فقط من كل خمسة من هؤلاء الناخبين يمكن وصف مواقفه بأنها متطرفة بوضوح، بينما ينتمي معظم الآخرين إلى شريحة مختلفة: ناخبون فقدوا الثقة في الأحزاب الألمانية الرئيسية، ويبحثون عن بديل يعبر عن غضبهم واستيائهم من النظام السياسي القائم.

وبذلك، فإن نجاح زيغموند لا يرتبط فقط بإقناع ناخبي اليمين التقليديين، وإنما باستقطاب جزء من الكتلة الانتخابية التي شعرت بالتهميش أو الانفصال عن المؤسسات والأحزاب الرئيسية.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية لدى الناخبين الشباب. فقد تمكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» من الحصول على دعم يقارب نصف الناخبين الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين في الولاية، وهو اختراق لافت لحزب كانت صورته لفترة طويلة مرتبطة بفئات عمرية واجتماعية أكثر محافظة.

تسويق سياسي يتجاوز القاعدة التقليدية

يمكن النظر إلى صعود زيغموند بوصفه نموذجاً متطوراً للتسويق السياسي الشعبوي، إذ يستخدم الأدوات ذاتها التي تعلمها خلال مسيرته المهنية: فهم الجمهور، تصميم الرسالة، اختيار الوسيلة المناسبة، وتحويل مشاعر غير منظمة مثل الغضب والإحباط إلى موقف سياسي قابل للتعبئة.

ولا يعتمد نجاحه على الشعارات الأيديولوجية وحدها، بل على طريقة تقديمها. فهو يستخدم مقاطع قصيرة، ولغة مباشرة، وصورة شخصية بعيدة عن الخطابة الثقيلة، ما يتيح له الوصول إلى الناخبين الذين لا يتابعون الصحافة السياسية التقليدية أو البرامج الإخبارية المطولة.

وقد أثارت هذه القدرة اهتمام وسائل الإعلام الألمانية، حتى إن مجلة «دير شبيغل» وصفته بأنه «أخطر رجل في ألمانيا»، في إشارة إلى قدرته على جعل خطاب حزب مصنف من قبل أجهزة الاستخبارات الداخلية المحلية بأنه يميني متطرف أكثر قبولاً لدى قطاعات اجتماعية أوسع.

المفارقة هنا أن قوة زيغموند السياسية لا تكمن في تقديم صورة أكثر تشدداً من حزبه، وإنما في قدرته على تغليف أفكاره السياسية بصورة أكثر هدوءاً وسهولة في التلقي.

تحدٍ للأحزاب الألمانية التقليدية

تكشف تجربة زيغموند عن مشكلة أوسع تواجه النظام الحزبي الألماني: اتساع الفجوة بين الأحزاب التقليدية وشرائح من الناخبين، وخصوصاً الشباب والمترددين والممتنعين سابقاً عن التصويت.

فحزب «البديل» لم يحقق اختراقه فقط نتيجة تحول أيديولوجي جماعي نحو اليمين، وإنما أيضاً نتيجة نجاحه في استثمار مشاعر الاستبعاد وعدم الثقة والبحث عن تغيير جذري.

وفي هذا السياق، يصبح زيغموند أكثر من مجرد سياسي إقليمي صاعد. فهو يمثل نموذجاً جديداً للسياسي الشعبوي الذي يفهم آليات الاقتصاد الرقمي والانتباه الجماهيري، ويستطيع اختصار الرسائل السياسية المعقدة في مقاطع قصيرة قابلة للانتشار، مع المحافظة في الوقت نفسه على قدرة عالية على الظهور في الإعلام التقليدي.

ورغم أنه لم يصل بعد إلى رئاسة حكومة الولاية، فإن قدرته على توسيع قاعدة حزبه خارج معاقله المعتادة تشير إلى تغير أعمق في السياسة الألمانية.

لقد انتقل الرجل الذي حاول في شبابه استخدام الروائح لتغيير مزاج ركاب المترو إلى محاولة تغيير المزاج السياسي لقطاع واسع من المجتمع الألماني. وبين التجربتين، بقي جوهر الفكرة متشابهاً: فهم السلوك، العثور على نقطة التأثير، ثم تصميم الرسالة القادرة على الوصول إليها.

ولهذا، فإن صعود أولريش زيغموند لا يقدم فقط قصة شخصية عن سياسي شاب في حزب يميني، وإنما يكشف أيضاً كيف يمكن للتسويق الرقمي والشعور بالتهميش السياسي أن يعيدا تشكيل الخريطة الانتخابية، وأن يحولا غضب الناخبين المنسيين إلى قوة سياسية يصعب على الأحزاب التقليدية تجاهلها.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط