تاريخ النشر: 2026-10-21 | 15:58
تاريخ النشر: 2026-10-21 | 15:58
في العالم القديم جدا قبل الميلاد عاش زعيمان سياسيان: الأول هو أوكتافيوس ( أغسطس قيصر) حاكم الإمبراطورية الرومانية التي كانت تسيطر على شرق البحر المتوسط وفلسطين، والثاني هيرودس ملك فلسطين التابعة لروما . قصة التحالف بينهما تعد أحد أشهر القصص القائمة على الذكاء الشديد والمصلحة والقدرة على تحويل الإخفاقات إلى إنجازات بين حاكم لامبراطورية عظمى وآخر لبلد تتبع هذه الامبراطورية .
هيرودس كان في البداية صديقًا صدوقًا وحليفًا قويًّا للقائد الروماني انطونيو الذي قام بتنصيبه ملكًا على فلسطين مكافأة له لإخلاصه. حين اشتد الصراع على السلطة المطلقة وحكم روما بين انطونيو واوكتافيوس ، انتصر أوكتافيوس انتصارا ساحقا وهزم أنطونيو ومات منتحرا مع زوجته كليوباترا . فماذا يفعل هيرودس ؟
لم يهرب أو يقتل نفسه كما فعل ربيبه ، بل بذكاء وشجاعة غير معهودين ذهب مباشرة الى اوكتافيوس وخلع تاجه ووضعه أمامه قائلاً: "سأبدل اسم انطونيو باوكتافيوس وأخلص لكم طاعتي". لاشك أن أوكتافيوس أعجب بهذه الجرأة والشجاعة وقبل صداقته، بل وأغدق عليه من الاموال والهدايا الكثير الكثير . ورأى أوكتافيوس أن المملكة التي يحكمها هيرودس "صغيرة جدا" فوهبه مدنا أخرى ليحكمها منها غزة ويافا وأريحا وغيرها من بلاد سوريا .. !!. وكرد للجميل وإرضاء لغرور أوكتافيوس (أغسطس قيصر) أطلق هيرودس اسمه على العديد من المدن التي حصل عليها مثل سبسطية (الاسم اللاتيني لأغسطس )، وقيسارية نسبة الى قيصر .
الحقيقة أن العلاقة بين هيرودس وأوكتافيوس لم تخل من الأزمات. لأن روما كأي دولة عظمى في العلاقة مع وكلائها وتابعيها لها خطوط حمر لا يمكن لقائد حتى ولو كان حليفا مثل هيرودس أن يتخطاها. مثلا غضب أوكتافيوس من هيرودس غضبا كبيرا حين شن هذا الأخير هجوما على مملكة الانباط في الاردن دون استشارته. فعزله ورفض استقباله أو استقبال رسائله ومستشاريه لفترة محدودة. وبذكاء هيرودس وفن المراوغة الذي يشتهر به حظي مرة اخرى برضا القيصر . يبدو أن هذا هو حال التحالفات الثنائية ..
تحالف هيرودس مع اوكتافيوس ضمن له الملك طوال عمره .. لكن العطب جاء من الداخل من كثرة ما أسال من دماء وارتكب مجازر فجنون الارتياب لديه قتله وجعله يشك في الجميع من حوله حتى وصل به الحال أن قتل اولاده وزوجته وأمها، مما أثار اشمئزاز اوكتافيوس حيث قال أن تعيش خنزيرا في بيت هيرودس أفضل من أن تكون ابنا له. ناهيك عن البلاط في روما الذي كان يبغضه وينفر منه لكن غياب البديل كان سببا في ديمومة هذه العلاقة. بعد موت هيرودس الكارثي وفي براجماتية مثيرة عزل اوكتافيوس اولاده من الحكم وأعاد ضم فلسطين كولاية رومانية الى امبراطوريته. وفي تلخيص لحياته قيل عن هيرودس أنه "تسلل الى العرش كالثعلب وحكم كالنمر ومات كالكلب"!
أحيانا يذهب الانسان للتاريخ ليحاول تفسير مظاهر سياسية حديثة يصعب توضيحها . استحضرتني قصة اوكتافيوس وهيرودس حين نشر ترامب رسالة الدعم والتأييد الشهيرة لنتنياهو فقد كانت مفاجأة مدوية بعد توصيف علاقته بنتنياهو بأنه "لا يثق بأحد". التاريخ يدهشنا كم أنّ البشر متشابهين . وكم من أمصار تحولت وتبدلت أحوالها نتيجة العلاقات الثنائية بين الزعماء.