تاريخ النشر: 2026-11-02 | 22:29
تاريخ النشر: 2026-11-02 | 22:29
عواصم: سلط إصدار حديث صدر في 20 أكتوبر 2026 عن «مطبعة جامعة ييل» (Yale University Press) الضوء على كتاب أستاذ العلاقات الدولية ومسؤول مجلس الأمن القومي الأمريكي السابق، تشارلز أ. كابتشان، المعنون بـ «تطويع الفوضى: نحو نظام يحكم عالم المستقبل» (Bringing Order to Anarchy: Governing the World to Come). يطرح الكتاب إطارات تحليلية ومؤسسية للتعامل مع مرحلة الانتقال التاريخي التي يتراجع خلالها تفوق الهيمنة الأمريكية لصالح توزيع القوة بين مراكز دولية وإقليمية متعددة، متسائلاً عن الآليات الكفيلة بإنتاج حدٍّ معقول من الاستقرار ومنع انزلاق النظام الدولي نحو تعددية قطبية غير منضبطة.
لا ينطلق كابتشان من فرضية الانهيار الكامل للنظام القائم أو غياب القواعد نهائياً، بل يرى أن الفوضى الحالية هي نتيجة حتمية لتآكل مؤسسات ما بعد الحرب الباردة قبل أن تتبلور قواعد بديلة. وترتكز أطروحة المؤلف على أربع ركائز أساسية:
انتقال القوة البنيوي: تراجع هيمنة الغرب لصالح مراكز قوة جديدة تعد عملية طويلة الأمد وليست وليدة سياسات إدارة بعينها.
عولمة مجزأة: اتسام العولمة بالتنافس والتشظي، وتأثير العصر الرقمي في إضعاف التماسك الاجتماعي والسياسي داخل الديمقراطيات الليبرالية.
عالم متعدد المراكز: غياب قطب واحد أو نظام ثنائي تقليدي، وبروز خريطة جغرافية سياسية إقليمية ومتفاوتة في نماذجها السياسية والثقافية.
الحوكمة الهجينة: حاجة النظام الدولي إلى صيغة تجمع بين المؤسسات العامة (كالأمم المتحدة)، والأطر الإقليمية الناشئة من أسفل، ومجالس تشاور مرنة تضم القوى الأكثر تأثيراً.
يقترح المؤلف هندسة مؤسسية تقوم على شبكة من مجالس التنسيق رفيعة المستوى بين القوى الكبرى والمؤثرة، مستلهماً تاريخياً تجربة «وفاق أوروبا» بعد عام 1815 كنموذج لدبلوماسية التشاور المرنة بين قوى متباينة أيديولوجياً. وتهدف هذه المجالس إلى توفير قنوات مستمرة لإدارة الخلافات وتخفيف العجز المؤسسي للأمم المتحدة دون أن تحل محلها، مع الحفاظ على مرونة تجنب نقل صلاحيات سيادية واسعة إلى مؤسسات ملزمة ترفضها الدول.
وفي المقابل، يرى كابتشان أن المشروع لا ينفصل عن ضرورة استعادة حيوية الديمقراطية الأمريكية وتجديد نموذجها لكي تستعيد واشنطن جاذبيتها وقدرتها على القيادة، وإن كان ذلك بدور أقل انفراداً وهيمنة من ذي قبل.
يثير الطرح نقاشات نقدية واسعة في دوائر الفكر الاستراتيجي حول عدة معضلات رئيسية، أبرزها:
مشكلة التمثيل والشرعية: غياب آليات واضحة لتمثيل الدول الصغيرة والمجتمعات المتأثرة بقرارات القوى الكبرى ضمن مجالس التنسيق.
مخاطر مناطق النفوذ: احتمالية تحول «الإقليمية» إلى غطاء لسيطرة قوى إقليمية على جوارها على حساب مبادئ السيادة.
التوتر الداخلي: التناقض المحتمل بين الدعوة لعالم متعدد المراكز والاشتراط المسبق لاستعادة القيادة والمركزية الأمريكية.
وتكتسب أطروحة الكتاب أهمية خاصة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ودول الخليج، إذ تضع النخب الإقليمية أمام تساؤلات جوهرية حول إدارة الانتقال من الاعتماد الأمني المطلق إلى تنويع الشراكات، ومدى قدرة الأطر الإقليمية على صياغة قواعد مشتركة تواجه تحديات استقرار الإمدادات، والأمن الغذائي والمائي، ومخاطر تقاطع المصالح الدولية في ظل نظام عالمي يتسّم بالسيولة والتشظي.