تاريخ النشر: 2026-09-27 | 14:41
تاريخ النشر: 2026-09-27 | 14:41
إن ما يعيشه سكان غزة من دمار البيوت وتشريد الأسر في مخيمات النزوح يمثل جرحا عميقا في جسد الإنسانية جمعاء، ويفرض على كل صاحب ضمير أن يتأمل في معنى الكرامة الإنسانية حين تُسلب من الإنسان بيته ويُلقى في العراء بلا مأوى يحفظ آدمية أطفاله ونسائه. إن هذه الصورة المأساوية ليست مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل هي وجوه بشرية تحمل آلاما يومية وتهدد بتآكل النسيج الاجتماعي إن لم تُواجَه بمنهجية إدارية صارمة وعدالة اجتماعية حقيقية.
يجب أن تتحول عملية توزيع المساعدات الإنسانية في غزة من حالة عشوائية أو مرتجلة إلى منظومة إدارية منهجية تتولاها المؤسسات العاملة هناك، وفق معايير واضحة وشفافة تضمن وصول الغذاء والدواء والمأوى المؤقت من خيام ومستلزمات إيواء إلى كل محتاج بحسب حاجته الفعلية لا بحسب نفوذه أو قربه من مراكز القرار، فالإدارة الرشيدة للمساعدات ليست ترفا بيروقراطيا بل هي شرط أساسي لاستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات العاملة ولمنع تحويل المعونة إلى أداة للتمييز أو الإقصاء.
إن العدالة في التوزيع تقتضي أن تُبنى على مسح اجتماعي دقيق يحدد أولويات الأسر الأكثر تضررا والأطفال الأشد ضعفا والمرضى الذين يحتاجون رعاية مستمرة، وأن تُدار هذه العملية بروح المسؤولية الاجتماعية لا بمنطق المحاصصة أو الولاءات الضيقة، فحين يشعر الإنسان أن حقه في الغذاء والكساء محفوظ بغض النظر عن جوانب أخرى يعود إليه جزء من كرامته المسلوبة ويبدأ المجتمع في التكاتف من آثار الصدمة الجماعية.
أما النازحون الذين يقدر عددهم بحوالي 1.7مليون نسمة فيعيشون في أوضاع لا إنسانية؛ تضيق فيها الخيام وتنعدم فيها الخصوصية وتنعدم فيها الخدمات الأساسية، مما يحول الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة تهدد الصحة النفسية والجسدية وتفتت الروابط الأسرية. إن استمرار هذا الوضع يعني أن المجتمع الدولي والمحلي يقبل بتجريد الإنسان من حقه الأساسي في السكن اللائق، وهذا قبول يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان والضمير الإنساني.
من هنا تبرز ضرورة إجراء دراسة عملية علمية لإعادة إسكان النازحين وفق توزيع جغرافي مدروس يحفظ كرامتهم ويراعي احتياجاتهم من حيث مساحة إيواء كريم ومن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، فلا يُكدس الناس في تجمعات عشوائية بل تُخطط مواقع السكن بحيث تتيح الوصول إلى المدارس والمراكز الصحية وفرص العمل الجزئي وتوفر مساحة كافية للأسرة الواحدة. فالإسكان ليس مجرد خيمة لا تحمي من المطر، بل هو إطار يعيد للإنسان شعوره بالانتماء والاستقرار النفسي.
ليس من المعقول ولا من المقبول إنسانيا أن يستمر وضع النزوح اللاإنساني بهذا الشكل لأشهر طويلة، بينما تتوفر الإمكانيات الإدارية والفنية لإعادة ترتيب الحياة اليومية على أسس أكثر عدلا وكرامة بالتعاون مع المؤسسات الدولية المعاملة. لا ينبغي ترك الأسر في العراء تحت قسوة الظروف، فالمجتمع يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه أفراده الأضعف ويحوّل الكارثة إلى واقع دائم بدلا من أن يعالجها كمرحلة انتقالية قابلة للحل.
تتحمل لجنة التكنوقراط ومجلس السلام والاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عما يعيشه النازحون في غزة من ويلات، وبات الواجب تولي الأمور الإدارية والتنظيمية بكل جدية ومسؤولية، فلجنة التكنوقراط تمثل الأمل في إدارة محايدة كفؤة قادرة على وضع خطط عملية لتوزيع المساعدات وتنظيم الإسكان المؤقت وإعادة بناء الخدمات الأساسية بعيدا عن أي أبعاد أخرى. إن نجاحها في هذه المهمة سيكون اختبارا حقيقيا لقدرتها على خدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وعلى مجلس السلام أن يعمل بجدية لتغيير أحوال سكان غزة الذين دمرت بيوتهم والنازحين الذين يعيشون في أوضاع لا إنسانية، فيحول الوعود إلى برامج ملموسة تركز على إعادة الإعمار التدريجي وتوفير المأوى الكريم وضمان العدالة الاجتماعية في كل خطوة. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الهدن المؤقتة وحدها، بل على إعادة الكرامة إلى الإنسان الذي سُلبت منه أبسط حقوقه في السكن والغذاء والأمان.