تاريخ النشر: 2026-10-06 | 18:50
تاريخ النشر: 2026-10-06 | 18:50
واشنطن: حذرت الباحثة في شؤون الشرق الأوسط صنم وكيل من أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تتجه نحو جولة جديدة من التصعيد العسكري، معتبرة أن الطرفين عالقان في حالة من الجمود، فيما تراهن واشنطن على أن الضغوط الاقتصادية ستجبر طهران على تقديم تنازلات.
وفي مقابلة مع مجلة «ذا نيويوركر» الأمريكية، ترى وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» وأستاذة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، أن هذا الرهان قد لا ينجح، لأن القيادة الإيرانية تنظر إلى الصراع باعتباره معركة تتعلق ببقاء النظام وأمنه، وليس مجرد أزمة اقتصادية يمكن حسمها بالعقوبات.
وبحسب تقديرها، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت مواجهة جديدة ستندلع، وإنما متى ستندلع، مرجحة أن يكون التوقيت مرتبطًا بالانتخابات الأمريكية النصفية، سواء قبلها أو بعدها مباشرة.
وتتناول وكيل وضع الملاحة في مضيق هرمز باعتباره أحد أبرز عناصر الضغط في المواجهة الحالية.
وبحسب التقديرات التي أوردتها المجلة، انخفض حجم النفط الذي يمر عبر المضيق إلى نحو 10 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بما لا يقل عن 16 مليون برميل قبل الحرب.
وترى وكيل أن قدرة إيران على التأثير في الملاحة لا تعني بالضرورة أنها تتحكم بصورة كاملة في حركة المرور، لكنها تستطيع إرباك الملاحة ورفع كلفة المرور وخلق مخاطر إضافية، وهو ما يجعل المضيق ورقة استراتيجية يمكن لطهران استخدامها عند الحاجة.
وتشير إلى ثلاثة عوامل تفسر استمرار جزء من حركة الملاحة: المساعدة الأمريكية في تأمين ممر آمن للسفن، واستخدام بعض السفن مسارات وترتيبات غير رسمية، إلى جانب استمرار جزء من حركة الوقود الإيراني.
وترى الباحثة أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذهبت أبعد من الإدارات السابقة في استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي، بما في ذلك الضغط على الدول والقوى المرتبطة بإيران.
لكن المشكلة، بحسب وكيل، تكمن في أن واشنطن تتعامل مع إيران كما لو أن الضغوط الاقتصادية وحدها كفيلة بإجبارها على الاستسلام.
وتقول إن القيادة الإيرانية لا تتخذ قراراتها استنادًا فقط إلى معدلات النمو أو التضخم أو سعر العملة، وإنما وفق اعتبارات الأمن والاستقرار والبقاء السياسي للنظام.
وبالتالي، فإن تدهور الاقتصاد قد يزيد الضغوط على إيران، لكنه لا يعني بالضرورة استعداد النظام لتقديم التنازلات التي تريدها واشنطن.
وبحسب وكيل، فإن إيران ترغب في الوصول إلى اتفاق يوفر لها مخرجًا من الأزمة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة.
وتعتقد أن طهران تعمل على إعادة تشكيل بيئة الصراع بما يسمح لها بتجنب حرب جديدة، بينما تستعد في الوقت ذاته لاحتمال اندلاع مواجهة واسعة، وهو ما تفعله واشنطن أيضًا.
وهكذا، يتحول الصراع إلى حالة من الاستعداد المتبادل للحرب مع محاولة تجنبها في الوقت نفسه.
وترى وكيل أن مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان خلال الصيف كانت ربما أفضل اتفاق عُرض على إيران خلال السنوات الماضية، وربما الأفضل الذي يمكن أن تحصل عليه مستقبلًا.
لكن الاتفاق اصطدم، بحسب روايتها، بانقسامات داخل النظام الإيراني نفسه.
وتوضح أن إيران ليست كتلة سياسية واحدة، وأن بعض صناع القرار رأوا أن أي اتفاق مع إدارة ترامب قد يكون مجرد مقدمة لمزيد من الضغوط الأمريكية.
كما زادت حالة انعدام الثقة بسبب ما اعتبره مسؤولون إيرانيون تجارب سابقة مؤلمة، إذ جرت مفاوضات مع إدارة ترامب في مراحل سابقة قبل أن تتعرض إيران لاحقًا للقصف، إضافة إلى انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي خلال الولاية الأولى لترامب.
وترى وكيل أن هذا التاريخ جعل جزءًا من المؤسسة الأمنية الإيرانية ينظر إلى السياسة الأمريكية تجاه طهران باعتبارها مشروعًا يستهدف إضعاف النظام أو تفكيكه.
كانت إيران تراهن، وفق وكيل، على أن ارتفاع أسعار النفط وتشديد الضغط الاقتصادي، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها.
لكن هذا الرهان لم يتحقق، بحسب تقييمها.
وتعتقد وكيل أن ترامب قد يكون مستعدًا لتحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهة، مدفوعًا برغبته في تحقيق إنجاز تاريخي يمكن تقديمه باعتباره نتيجة مباشرة لسياساته.
وتطرح الباحثة في هذا السياق سؤالين أساسيين: ماذا تريد الولايات المتحدة تحديدًا من الحرب؟ وكيف تنوي الخروج منها؟
وترى أن الهدف الأمريكي لا يمكن أن يكون مجرد السيطرة على مضيق هرمز، لأن الحفاظ على أمن الملاحة فيه يتطلب موارد عسكرية كبيرة ومستمرة.
وتفسر وكيل انخفاض مستوى التصعيد الإيراني في الوقت الراهن بعاملين رئيسيين.
الأول هو النشاط الدبلوماسي الذي تقوده قطر وسلطنة عُمان، مع طرح أفكار لترتيب خطوات متبادلة يمكن أن تمهد للعودة إلى مفاوضات نووية رسمية بين واشنطن وطهران.
أما العامل الثاني، فهو ما تصفه بـ«المتغير الحوثي».
وترى أن إيران لا ترغب في الوقت الحالي في إرباك أو إغلاق ممرين بحريين في الوقت نفسه، لأن ذلك قد يؤدي إلى إعادة إشعال المواجهة العسكرية على نطاق أوسع.
كما تشير إلى أن طهران لم تتدخل بصورة مباشرة حتى الآن في الصراع اليمني أو في الهجمات العراقية التي استهدفت خط الأنابيب السعودي، معتبرة أن إيران قد تحتفظ بهذه الأوراق لاستخدامها في مرحلة لاحقة.
وتعتبر وكيل أن تطورات اليمن أصبحت عنصرًا أساسيًا في معادلة الصراع الإقليمي.
فبعد أن شنت القوات الحكومية اليمنية حملة ضد الحوثيين، جاء رد الجماعة، بحسب الرواية التي تنقلها المقابلة، أكثر قوة مما كان متوقعًا، وتمكنت من تغيير موازين السيطرة في مناطق رئيسية، بينها مناطق على ساحل البحر الأحمر.
وأدى ذلك إلى تعقيد المشهد اليمني وإرباك حركة الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع اتهام السعودية ميليشيات عراقية باستهداف خط أنابيب شرق–غرب وتعطيله لعدة أيام.
وترى وكيل أن السعودية لم تستعد بصورة كافية لهذا التطور، رغم أن احتمال عودة الصراع كان متوقعًا، وأنها بالغت في تقدير قدرة القوات اليمنية التقليدية وأخطأت في تقدير القدرات العسكرية للحوثيين.
وتتناول المقابلة أيضًا العلاقة بين السعودية والإمارات، مشيرة إلى وجود خلافات بشأن كيفية التعامل مع التطورات الإقليمية.
وتقول وكيل إن خلافًا ظهر بين البلدين في ديسمبر الماضي، وإن الإمارات انسحبت من جنوب اليمن، وهو ما أضعف القوات الحكومية هناك.
كما تشير إلى تقارير تحدثت عن توجه إماراتي أكثر تشددًا تجاه إيران، بما في ذلك الدفع نحو تغيير النظام، مع التأكيد على أن هذه النقطة ترد في سياق تقارير وتقديرات وليس بوصفها موقفًا إماراتيًا معلنًا في المقابلة.
وبحسب وكيل، يضغط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على ترامب للتحرك ضد الحوثيين، في وقت يشعر فيه الرئيس الأمريكي بالإحباط من موقف الرياض.
وترى أن عدم تقديم واشنطن دعمًا ماديًا للسعودية خلال الأزمة كان أمرًا محرجًا للرياض، خصوصًا في ظل تعرض مصالحها ومنشآتها الحيوية لتهديدات مرتبطة بتداعيات الصراع الإقليمي.
وفي المقابل، عملت السعودية ودول خليجية أخرى، وفق روايتها، على منع عودة المواجهة الأمريكية المباشرة، وحذرت من أن استهداف البنية التحتية الإيرانية قد يدفع طهران إلى ضرب دول الخليج، وهو ما ساهم في تعزيز قنوات الوساطة الحالية.
ولا تتوقع وكيل أن تؤدي الانتخابات النصفية الأمريكية إلى تغيير جوهري في مسار المواجهة.
بل ترى أن جولة جديدة من الحرب مع إيران باتت مرجحة، وأن السؤال الحقيقي يتعلق بتوقيتها.
وفي حال حقق الديمقراطيون نتائج قوية وسيطروا على مجلس الشيوخ، فقد تصبح قدرة ترامب على اتخاذ قرارات عسكرية أكثر صعوبة، وهو ما قد يدفعه، وفق تقديرها، إلى التحرك قبل أن تتغير موازين القوة السياسية في واشنطن.
وتحذر وكيل من أن استمرار المواجهة قد يحول الصراع إلى حرب طويلة الأمد، شبيهة بالحرب الروسية–الأوكرانية، وهو السيناريو الذي تصفه بأنه بالغ الخطورة على إيران والمنطقة.
وترى أن تأمين الملاحة في مضيق هرمز يتطلب التزامًا عسكريًا أمريكيًا ضخمًا ومكلفًا، وقد يؤدي إلى استنزاف الموارد التي تحتاجها واشنطن في صراعات ومناطق أخرى.
وبالتالي، فإن استمرار الأزمة دون تسوية سياسية قد يحولها من مواجهة محدودة إلى نزاع مفتوح يصعب تحديد سقفه الزمني أو العسكري.