تاريخ النشر: 2026-10-11 | 12:59
تاريخ النشر: 2026-10-11 | 12:59
واشنطن: حذّر الدبلوماسيان الأمريكيان السابقان ديفيد ماكوفسكي ودينيس روس، في مقال مشترك، من أن التحول غير المسبوق في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل يشكل "تحدياً استراتيجياً بالغ الأهمية"، داعيَين الإسرائيليين وقادتهم إلى إدراك خطورته في خضم الحملة الانتخابية الجارية في إسرائيل.
وقال الكاتبان، اللذان يصفان نفسيهما بأنهما كرّسا حياتهما المهنية لتعزيز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وتطوير علاقات إسرائيل مع جيرانها العرب، إنهما "مندهشان" من حالة اللامبالاة إزاء هذا التحول. ويشغل ماكوفسكي منصب زميل فخري في مؤسسة زيغلر ومدير مشروع العلاقات الإسرائيلية العربية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، وكان سابقاً في مكتب وزير الخارجية، أما روس فزميل فخري في المعهد نفسه ومسؤول رفيع سابق في إدارات ريغان وبوش وكلينتون وأوباما.
"تهديد وجودي" يتجاوز المساعدات المالية
أكد الكاتبان أن خسارة الدعم الأمريكي لا ينبغي أن تُقاس بالمساعدات المالية وحدها، على أهميتها، إذ إن فقدان الدعم العسكري والسياسي "قد يشكّل تهديداً وجودياً". وتساءلا: من سيزوّد إسرائيل بطائرات إف-35، ومن سيستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن؟ وأضافا أن خصوم إسرائيل يحلمون بيوم يسمح فيه غياب الفيتو الأمريكي بفرض عقوبات عليها، معتبرين أن هذا السيناريو "لم يعد خيالياً" في ظل التغير الكبير في مواقف الأمريكيين.
الكونغرس كان صمام أمان تاريخياً
استعرض المقال محطات تاريخية لعب فيها الكونغرس دور القوة الكابحة للرؤساء الذين سعوا إلى الضغط على إسرائيل:
1956: حين سعى الرئيس دوايت أيزنهاور إلى فرض عقوبات على إسرائيل عقب حرب سيناء، عارض الخطوة زعيما الحزبين في الكونغرس، الديمقراطي ليندون جونسون والجمهوري ويليام نولاند.
منتصف السبعينيات: عندما طلب الرئيس جيرالد فورد إعادة تقييم العلاقات بعد رفض إسرائيل تقديم تنازلات في الاتفاق المؤقت مع مصر، وجّه 76 عضواً في مجلس الشيوخ رسالة تعارض ذلك وتدعو إلى زيادة الدعم لا تقليصه.
1982: حين سعى الرئيس رونالد ريغان إلى حجب مساعدات إضافية بعد حرب لبنان، وافق الكونغرس على المساعدات رغم معارضة الرئيس ووزير خارجيته جورج شولتز.
ويرى الكاتبان أن الكونغرس يعكس الرأي العام بدرجة أكبر، وأن إسرائيل لم تواجه من قبل رئيساً أمريكياً من دون أن تحظى بدعم شعبي في الولايات المتحدة.
أرقام تعكس انقلاباً في المزاج العام
بحسب المقال، فضّل الأمريكيون إسرائيل على العرب بفارق ثابت يقارب 45% في استطلاعات أُجريت بين عامي 1967 و1996. وفي استطلاعات غالوب بين 2001 و2018، تجاوزت نسبة المتعاطفين مع الإسرائيليين نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين بمتوسط 43%.
أما اليوم فالصورة مختلفة، إذ أظهر استطلاع في فبراير 2026 أن 36% فقط من الأمريكيين يتعاطفون أكثر مع إسرائيل، مقابل 41% يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين. وكشف استطلاع لمركز بيو في أبريل 2026 أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية.
وتبدو المؤشرات أكثر إثارة للقلق بين الشباب، وفق استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز:
63% من الديمقراطيين بين 18 و29 عاماً يعتقدون أن الحزب الديمقراطي يبالغ في دعمه لإسرائيل.
72% من الجمهوريين في الفئة العمرية نفسها يعتقدون أن الرئيس دونالد ترامب يبالغ في دعمه لها.
كما وجد استطلاع بيو أن غالبية المستطلعين من الحزبين ممن تقل أعمارهم عن 50 عاماً باتوا ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية.
أزمة عابرة للأحزاب
أشار الكاتبان إلى أن التأييد لإسرائيل لا يزال قوياً بين الجمهوريين الأكبر سناً، لكنهما رأيا في تأكيد نائب الرئيس جيه. دي. فانس أن المصالح الأمريكية لا يمكن "إخضاعها" للمصالح الإسرائيلية دليلاً على إدراكه لتغير المشهد السياسي.
وأوضحا أن أسباب التراجع تختلف باختلاف الطيف السياسي: فالديمقراطيون التقدميون يركزون على معاناة الفلسطينيين في غزة، بينما يحمّل بعض اليمينيين المتحالفين مع حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" MAGA) ) إسرائيل مسؤولية الحرب على إيران.
عنف المستوطنين في دائرة الضوء
توقف المقال عند عنف المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين، معتبراً أنه يمنح من يسعون إلى تصوير إسرائيل كدولة لا تتشارك القيم الأمريكية، ولا يُطبَّق فيها حكم القانون، حجة قوية. وأشار إلى أن الهجمات على القرى الفلسطينية تحظى بتغطية واسعة في الولايات المتحدة وتثير الغضب.
وقال الكاتبان إن ادعاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وآخرين بأن قلة فقط تشارك في هذه الهجمات "لا يبدو ذا صلة" ما دامت الهجمات مستمرة، مستشهدَين بأن أكثر من 100 متطرف إسرائيلي هاجموا الأسبوع الماضي قرية جالود، فيما كان الجيش الإسرائيلي يحاول إعادة أسرة فلسطينية إلى منزلها.
وأضافا أن المدافعين عن إسرائيل في الولايات المتحدة يجدون صعوبة بالغة في تفسير عجز حكومة نفّذت اغتيالات بحق كبار القادة الإيرانيين، وعملية "البيجر" ضد حزب الله، واعتقلت كبار مسؤولي حماس في غزة، عن وقف هذه الاعتداءات. (وردت العملية في النص الأصلي بصيغة "البيبر").
عوامل خارجة عن إرادة إسرائيل
أقرّ الكاتبان بأن جزءاً من التراجع ناجم عن عوامل داخلية أمريكية، منها الاستقطاب السياسي الذي غذّى عداء الديمقراطيين لترامب ولدعمه المفترض لإسرائيل، إلى جانب مفارقة سعي كل من التقدميين في اليسار والمؤيدين لترامب في اليمين إلى تقليص الالتزامات الأمريكية الخارجية. وأكدا أن إسرائيل ليست مسؤولة عن هذه الظواهر، وأنها تواجه معياراً مزدوجاً يُشكَّك فيه في حقها في الدفاع عن النفس.
غير أنهما شددا على أن ذلك "لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن قراراتها"، موضحَين أن الإسرائيليين وحدهم من سيقرر من يقودهم، وأنهما يخشيان ألا يمنح كثيرون منهم وزناً كافياً لتداعيات خياراتهم على علاقة لم يعد ممكناً اعتبارها أمراً مفروغاً منه.
دعوة إلى استعادة الحزبية المشتركة
اعتبر الكاتبان أن الاقتصار على التركيز على الجمهوريين كان "خطأً استراتيجياً"، خصوصاً في ظل تراجع شعبية إسرائيل بين الجمهوريين الشباب والناخبين المستقلين والديمقراطيين على حد سواء. وذكّرا بأن دعم إسرائيل كان تاريخياً قضية تحظى بتأييد الحزبين، وأن العلاقة تقوم على القيم المشتركة بقدر ما تقوم على المصالح المشتركة.
ودعا الكاتبان إلى خطوات فورية، أبرزها:
وضع حد لما وصفه السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الصديق القديم لإسرائيل، بـ"الإرهاب" ضد الفلسطينيين.
ضمان أن يكون وزير الأمن القومي المقبل ملتزماً بالتحقيق في الاعتداءات على الفلسطينيين الأبرياء وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
"منع الكارثة لا ضمان وقوعها"
وختم الكاتبان بالقول إنهما يطلقان هذا التحذير انطلاقاً من مكانة خاصة تحتلها إسرائيل والعلاقة بين البلدين لديهما، وإن هدفهما "منع وقوع كارثة". واعتبرا أن وقف تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة "ضرورة استراتيجية" للحكومة الإسرائيلية المقبلة، وأن بإمكان حكومة تدرك خطورة الوضع تغيير المسار قبل أن يصبح التدهور "واقعاً لا رجعة فيه".
وأكدا أن إسرائيل لا تستطيع التحكم بالسياسة الأمريكية، لكن قراراتها قادرة على التأثير في الرأي العام الأمريكي، داعيَين إلى أن يكون وضع إسرائيل في الولايات المتحدة محور الحملة الانتخابية الحالية وفي صدارة أولويات الحكومة المقبلة.