تاريخ النشر: 2026-10-09 | 22:45
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 22:45
برلين: شهدت ألمانيا واحدة من أكبر الفضائح الاستخبارية وأكثرها إحراجاً في تاريخها الحديث؛ إثر الكشف عن تسريب قرابة 2,000 وثيقة داخلية مصنفة بدرجة «سري للغاية» من مكتب رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) على مدار 12 عاماً. والوثائق جرى نقلها إلى رئيس الجهاز الأسبق أوغست هانينغ لاستخدامها في أعماله الاستشارية الخاصة وتزويد أجهزة استخبارات أجنبية بها.
وفي تفاصيل كشفتها مجلة «دير شبيغل» عبر سلسلة تقارير صدرت في 8 أكتوبر 2026، تبين أن الجهاز نفسه كان قد منح الموظف المتهم بالتسريب إذناً رسمياً بالعمل الجانبي لدى هانينغ، في مفارقة تعكس خللاً هيكلياً في آليات الرقابة الداخلية والأمنية داخل أعلى هرم الاستخبارات ألمانيّة.
أوقفت السلطات الألمانية في 6 أكتوبر 2026 أوغست هانينغ (80 عاماً)، الذي ترأس جهاز الاستخبارات الخارجية بين عامي 1998 و2005 قبل أن يشغل موقع وكيل وزارة الداخلية ثم يتحول إلى مستشار أمني خاص، كما تم توقيف مدير مكتبه السابق في الجهاز، مانفريد د. (64 عاماً)، والذي استمر في موقع مدير مكتب عدة رؤساء للجهاز حتى مارس 2026. ويقبع الاثنان حالياً في الحبس الاحتياطي.
ووفقاً للادعاء العام الاتحادي في كارلسروه، اتفق الرجلان عام 2010 على أن يزود مانفريد د. هانينغ بمعلومات قيّمة ومستمرة مقابل أجر مالي. وحتى يونيو 2022، نجح مانفريد د. في تسريب نحو ألفي وثيقة قيادية سريّة ليوظفها هانينغ في عمله الاستشاري التجاري.
وتواجه الشخصيتان تهماً شديدة الخطورة:
أوغست هانينغ: التجسس الخياني، والقيام بنشاط استخباري لصالح جهة أجنبية، واستطلاع أسرار دولة، والشروع في الخيانة العظمى.
مانفريد د.: المساعدة على الشروع في الخيانة العظمى وتسهيل التجسس الخياني.
أظهرت التحقيقات أن هانينغ استخدم البيانات المسربة لإعداد تحليل أمني لصالح عنصر في جهاز الاستخبارات الأذربيجانية. ويرتبط هانينغ بعلاقات وثيقة مع باكو؛ إذ يتولى منذ عام 2014 عضوية مجلس إدارة «المنتدى الألماني-الأذربيجاني» الخاضع لنفوذ وتدفقات مالية من منطقة القوقاز، والذي يضم نواباً ومسؤولين بارزين.
وتضع «شبيغل» هذا الخيط ضمن ظاهرة «دبلوماسية الكافيار»، التي اعتمدتها أذربيجان على مدى 25 عاماً لشراء نفوذ ومواقف ساسة وموظفين غربيين عبر رشى وهدايا فاخرة لإخماد الانتقادات الحقوقية داخل مجلس أوروبا. وصدرت أحكام قضائية سابقة بألمانيا في هذا الملف شملت السجن مع وقف التنفيذ لنواب سابقين من التكتل المسيحي مثل إدوارد لينتنر وأكسل فيشر لإدانتهم بتلقي أموال ورشى أذربيجانية.
يمتد الخيط الثاني للقضية نحو بكين؛ إذ يتهم الادعاء العام هانينغ بالتواصل المكثف والمتواصل مع عنصر في جهاز استخبارات أجنبي وتزويده ببيانات ومعلومات سياسية مستمدة من وثائق الجهاز. وأكدت مصادر مطلعة لـ«شبيغل» أن المحققين يفحصون تقارير تسريب المعلومات إلى الاستخبارات الصينية.
وتركز الشبهات على علاقة هانينغ باللواء المتقاعد وانغ جيانتشنغ، أحد أبرز خبراء الملف الألماني في الاستخبارات الصينية والملحق العسكري السابق في برلين. وأبرز التقرير محطات من هذه العلاقة:
2017: وجه اللواء وانغ الشكر لهانينغ علناً في مقدمة كتاب مترجم للصينية عن المستشار الأسبق غيرهارد شرودر، تقديراً لـ «إرشاداته وإيضاحاته». كما جرى لقاء رسمي بينهما في مدينة هوايبي بشرق الصين لمراجعة استثمارات محلية.
2023: أُدرج اسماهما معاً ضمن قائمة المشاركين في مؤتمر أوروبي-صيني رفيع المستوى، إضافة إلى عضويتهما المشتركة في المجلس الاستشاري لحديقة بيئية ألمانية-صينية في تشينغداو.
دفاع هانينغ: صرح المحامي ليون كروزه بأن موكله «يُلاحق ظلماً»، ومقراً بحيازته لوثائق سرية لكنه نفى تماماً نقلها أو تسريبها لجهات أجنبية بمقابل مالي أو على نحو يضر بالأمن القومي الألماني.
مانفريد د.: امتنع دفاعه وعائلته عن التعليق.
أذربيجان: نفت السلطات الأذربيجانية صحة هذه الاتهامات.
BND والادعاء العام: رفضا التعليق على تفاصيل منح إذن العمل الجانبي أو الاتهامات المتعلقة بملف الصين.
تكشف هذه القضية عن أزمة أمنية هيكلية غير مسبوقة داخل أجهزة السيادة ألمانيّة. فأن تتمكن شبكة داخلية من تسريب وثائق القيادة العليا لجهاز الاستخبارات الخارجية طيلة 12 عاماً، وتحت غطاء إذن رسمي بالعمل الجانبي مُنح لمدير مكتب الجهاز، يشير إلى انهيار شامل في منظومة تدقيق السلامة الأمنية (Security Clearance) والرقابة الذاتية.
وستمتد تداعيات هذه الفضيحة على مستويين أساسيين:
المستوى الداخلي: إخضاع الرؤساء المتعاقبين لجهاز الاستخبارات لمساءلة برلمانية حادة من قبل لجنة الرقابة في البوندستاغ، وتعديل قوانين العمل الجانبي وحظر أنشطة الاستشارات الأمنية للمسؤولين المتقاعدين.
المستوى الخارجي (التحالفات): تضرر الثقة مع الأجهزة الشريكة، خصوصاً تحالف «العيون الخمس» والولايات المتحدة وبريطانيا، جراء مخاوف عميقة من أن تكون معلومات حلفاء الناتو الاستخبارية المتداولة مع برلين قد تسربت عبر هانينغ إلى بكين وباكو.