إلى متى يبقى الشعب الفلسطيني يدفع ثمن الأزمات والانقسامات والقرارات السياسية، بينما تتراجع حقوقه الأساسية، وتتسع معاناته، ويظل مستقبله معلّقًا بإرادة أشخاص وقيادات لا يشعر كثير من أبناء الشعب بأنهم يملكون صوتًا حقيقيًا في محاسبتها أو تغييرها؟
من حق الشعب الفلسطيني أن يصرخ، وأن يرفع صوته عاليًا، وأن يطالب بحياة كريمة وآمنة، وبغذاء ومأوى ودواء وتعليم، وبقيادة تتحمل مسؤولياتها أمام الناس، لا أمام مصالحها الخاصة. ومن حقه أن يسأل، وأن يحاسب، وأن يرفض استمرار واقع يسلبه الأمل ويضيّق عليه أبواب المستقبل.
لسنا رعايا بلا حقوق، ولسنا أرقامًا في بيانات المسؤولين، ولسنا شعبًا خُلق ليبقى تحت وطأة الانتظار والمعاناة. نحن أصحاب الوطن، ومن حقنا أن نعيش فيه بحرية وكرامة وأمان.
غزة والضفة… وجع واحد وحقوق لا تتجزأ
في غزة، يقف الإنسان الفلسطيني أمام مأساة تفوق قدرة الكلمات على وصفها؛ بيوت دُمّرت، وعائلات تشتّتت، وأحلام سُحقت، وأناس يكافحون من أجل أبسط مقومات الحياة. وأنا واحدة من أبناء هذا الشعب الذين يعرفون معنى فقدان البيت، ومعنى أن يفقد الإنسان جزءًا من وطنه وأمانه، وأن يصبح البحث عن الضروريات معركة يومية.
وفي الضفة الغربية، يواجه الفلسطينيون بدورهم تحديات قاسية تتصل بالاحتلال والاستيطان والقيود على الحركة والأمن والحياة الاقتصادية، فضلًا عن أزمة الثقة والمساءلة والتمثيل السياسي.
تختلف تفاصيل المعاناة بين غزة والضفة، لكن حق الإنسان في الحرية والكرامة والأمان لا يتجزأ. وليس مقبولًا أن يتحول ألم الفلسطيني إلى مشهد معتاد، أو أن يصبح صبره مبررًا لتأجيل حقوقه، أو أن يُطلب منه الصمت كلما طالب بمستقبله.
إن صمود الشعب ليس تفويضًا مفتوحًا للقيادات، وصبره ليس تنازلًا عن حقوقه، وتضحياته ليست صكًّا يمنح أحدًا حق التحكم بمصيره.
القيادة مسؤولية وليست امتيازًا دائمًا:
إن أي قيادة تتولى مسؤولية شعب يجب أن تدرك أن السلطة تكليف وليست ملكية، وأن المنصب ليس حقًا أبديًا، وأن الشرعية لا تنفصل عن إرادة الناس وحقهم في المشاركة والمساءلة واختيار ممثليهم عبر انتخابات حرة ونزيهة. وعندما يشعر المواطن بأن صوته لا يُسمع، وأن حقوقه تتراجع، وأن أبواب التغيير والمحاسبة مغلقة أمامه، يصبح إصلاح النظام السياسي وتجديد الشرعية ضرورة وطنية تستحق نقاشًا جادًا ومسؤولًا.
لا يجوز أن تُختزل القضية الفلسطينية في صراع على المناصب، ولا أن يُختزل الوطن في أسماء الأشخاص، ولا أن يبقى مستقبل الأجيال مرهونًا بحسابات سياسية ضيقة. ففلسطين أكبر من الجميع، وشعبها يستحق مؤسسات تحمي حقوقه وتخدم مصالحه.
من حق الشعب أن يختار… ومن حقه أن يحاسب
لقد أكدت مبادئ حقوق الإنسان، وفي مقدمتها المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حق كل شخص في المشاركة في إدارة شؤون بلده، مباشرة أو بواسطة ممثلين يُختارون بحرية، وأن تكون إرادة الشعب أساس سلطة الحكم، من خلال انتخابات دورية نزيهة.
وهذا الحق ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مبدأ يستوجب احترام إرادة المواطنين، وتوفير السبل القانونية والمؤسسية لمشاركتهم في تقرير مستقبلهم.
ومن هنا، فإن المطالبة بانتخابات حرة ونزيهة، وتجديد الشرعيات، وضمان تداول السلطة والمساءلة، ليست مطلبًا شخصيًا ولا معركة بين أسماء متنافسة؛ إنها قضية تتصل بحق الشعب في أن يكون مصدر الاختيار وصاحب الكلمة في مستقبله.
إن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي ما لم يترافق مع إصلاح المؤسسات، وضمان استقلال القضاء، وحماية الحريات العامة، ومكافحة الفساد، واحترام القانون، وإتاحة المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات الوطنية للمشاركة في صنع القرار.
صرخة الشعب يجب أن تتحول إلى موقف وطني مسؤول. إن صرخة الشعب الفلسطيني التي نحتاج إليها ليست دعوة إلى الفوضى أو الانتقام، بل دعوة إلى استعادة الصوت والحق، وإلى تحرك شعبي سلمي وواعٍ يطالب بالحقوق المشروعة، ويضع المسؤولين أمام واجباتهم، ويتمسك بالقانون ويحمي النسيج الاجتماعي من الانقسام والكراهية.
من حق الناس أن يتظاهروا سلميًا، وأن يعبّروا عن مطالبهم، وأن ينظموا جهودهم المدنية، وأن يطالبوا بانتخابات ومساءلة وإصلاح حقيقي، وفق القانون والضمانات التي تحمي الجميع..
إن وحدة الشعب لا تعني الصمت عن الأخطاء، والوطنية لا تعني الولاء للأشخاص، واحترام القيادة لا يعني إعفاءها من المسؤولية. بل إن المحاسبة العادلة والإصلاح السلمي هما من الوسائل التي تحمي المجتمع وتمنع تراكم الأزمات.
رسالتي إلى كل مسؤول فلسطيني
قبل أن تتحدثوا عن المناصب انظروا إلى الإنسان الفلسطيني. انظروا إلى الأم التي تبحث عن الأمان لأطفالها، وإلى الأب الذي يعجز عن توفير احتياجات أسرته، وإلى الطفل الذي حُرم من مدرسته، وإلى الشاب الذي ينتظر فرصة ليبني مستقبله، وإلى العائلة التي فقدت بيتها ولا تعرف متى تعود إلى حياة مستقرة.
اسألوا أنفسكم: ما قيمة المنصب إذا كان المواطن لا يجد ما يسد جوعه؟ وما معنى القيادة إذا لم يشعر الناس بأنها تسمع آلامهم؟ وما جدوى الخطابات السياسية إذا لم تتحول إلى حماية للحقوق وخطط قابلة للتنفيذ؟
أكتب هذه الكلمات من وجع إنسانة فلسطينية ترى وطنها يتألم، وشعبها يكافح من أجل أبسط حقوقه، وتخشى على أجياله من أن يرثوا الحرمان وفقدان الأمل بدلًا من أن يرثوا وطنًا آمنًا حرًا كريمًا.
أكتب لأنني أؤمن أن الصمت لا ينبغي أن يكون قدرنا، وأن الوعي هو بداية التغيير، وأن الشعب الذي يعرف حقوقه يستطيع أن يطالب بها بوسائل سلمية وقانونية ومسؤولة. نريد قيادة تستمد قوتها من ثقة الناس، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وانتخابات حرة ونزيهة، وقضاءً مستقلًا، وحقوقًا مصونة، وحياة تليق بالإنسان الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
نريد وطنًا لا يخاف فيه المواطن من التعبير عن رأيه، ولا يشعر فيه الجائع بأنه منسي، ولا يعيش فيه الشاب بلا أفق، ولا تُترك فيه العائلات المكلومة وحدها في مواجهة مصيرها.
فلسطين ليست ملكًا لحكومة، ولا حكرًا على فصيل، ولا إرثًا تتوارثه العائلات السياسية. فلسطين وطن شعب، والشعب هو صاحب الحق في تقرير مستقبله.