تاريخ النشر: 2026-11-03 | 14:24
تاريخ النشر: 2026-11-03 | 14:24
أمشي إلى أمي..
والطريقُ ليس طريقاً، بل غابةٌ من قماشٍ خَشِن يمتد على جانبي الرصيفِ كأكفانٍ معلّقة.
خرجتُ من خيمتي لأطرقَ بابَ أمي، لكنّ عينيّ اللتين أنهكهما السواد، تسكبان على هذه الخيامِ نظرةً من انتقام، نظرةُ من يريدُ أن يُشعلَ النارَ في كلّ هذا البؤسِ ليتحرّر من القيد.
أتخيّلها سجناً مُظْلِماً، قاهِراً، يعصرُ الروحَ قطرةً قطرة.
تشنقني الخيمةُ حتى وأنا خارجَ جدرانِها الزائفة، حتى وأنا أهيمُ تحت السماء..
أتوهّمُ أنني أقبضُ على قطعةٍ من كرتونٍ ملقاةٍ على الأرض، ألوّحُ بها كالمروحة، أستجدي بها ذرّةَ هواءٍ تُسرّبُ الحياةَ إلى رئتيّ الخاويتين.
أبكي بصمت، دموعٌ لا صوتَ لها، تتساقطُ على الخُطى الثقيلة.
وصلتُ إليها، جلستُ بجوارِها..
بدأتْ تتحدّثُ معي، وبكلماتِها الحنونةِ تُحاولُ ردمَ هذه الفجوةِ بيننا.
خمسُ دقائقَ فقط، ينقطعُ فيها نَفَسي، لا مبالغةَ في الأمر، بل هي الحقيقةُ الصادقة، الكلماتُ باتت خناجرَ تمتصُّ الهواءَ من حولي.
لوّحتُ لها بيدٍ مرتجفةٍ للوداع.
سألتني بألمٍ وأمومة "ما بكِ؟ لِمَ لمْ تجلسي سوى دقائقَ معدودة؟
أخبرتُها بقلبٍ خاوٍ أنّ الطاقةَ لديّ قد نفدت، وأنّ الكلامَ بات عبئاً، والنَفَسَ أصبح جهداً لا أطيقُه.
في كلّ حرفٍ أنطقُ به، أشعرُ بخيمةٍ كاملةٍ تجثمُ على صدري.
في كلّ حركةٍ أتحرّكُها، ألمحُ عَمودَ خيمةٍ ينغرسُ غائراً في شغافِ قلبي.
وفي كلّ ضحكةٍ أبتدعُها مجاملةً لعينيكِ يا أمي، أرى اصطناعاً يتكسّرُ فوراً ليتحوّلَ إلى بكاءٍ كتمتُه في حنجرتي.
قلتُ لها: سأعودُ إلى خيمتي
آهٍ من هذه الكلمة تنغرسُ بحروفِها في لحمي الحي.
أُخفي خلفَها هلعي، وخوفي، والفوبيا التي تلتهمُني داخلَ ذلك السجنِ القماشي.
فكرةٌ مرعبةٌ تطاردُني دائماً بأنّ أكسجينَ هذا الكونِ أجمع سيفنى، وأنني سأموتُ كتماً..
سأموتُ والعنوانُ على شواهدِ غيابي: "خيمة".
تعتصرني الخيمة، وكلّ مدينتي..
كلّ غزة اختُصِرَت اليومَ في أوتادٍ وعِمْدانٍ صمّاء.
اعذريني يا أمي..
اعذريني إن لم أستطع البقاء، فروحي قد أطفأها ظلامُ خيمتي وخيامِ مدينتي الحزينة.