أظهرت الحرب الإيرانية الأخيرة حدود الحديث عن استقلال القرار الإسرائيلي بصورة مطلقة وأعادت التأكيد على حجم التأثير الأمريكي في توجيه الخيارات السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية

عندما تراقب الهيئةُ الأطرَ... من يحمي استقلال الرقيب؟

عندما تراقب الهيئةُ الأطرَ... من يحمي استقلال الرقيب؟

تاريخ النشر: 2026-08-11 | 12:14

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

استقلال الرقابة ليس ترفًا تنظيميًا... بل شرطٌ للعدالة وحماية العضوية

في التنظيمات الكبيرة، لا تُقاس قوة المؤسسة بقوة الأشخاص، بل بقدرتها على بناء قواعد واضحة تحكم العلاقة بين المسؤولية والرقابة، وبين من يصنع القرار ومن يتولى مهمة مراقبة سلامة تطبيقه.

ومن هنا تأتي أهمية هيئة الرقابة الحركية وحماية العضوية في حركة فتح؛ فهي ليست مجرد إضافة إلى الهيكل التنظيمي، وإنما يفترض أن تكون إحدى أدوات حماية النظام الداخلي، وصون حقوق العضوية، ومتابعة الالتزام التنظيمي، ومعالجة الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

لكن السؤال الأهم يبقى:

هل تستطيع الرقابة أن تؤدي دورها كاملًا إذا لم يكن الرقيب محصنًا من تضارب المصالح وتداخل المواقع؟

الرقابة تبدأ من استقلال الرقيب

قوة أي جهاز رقابي لا تُقاس فقط بما يمتلكه من صلاحيات، وإنما بمدى استقلاله وقدرته على النظر إلى القضايا والملفات بموضوعية، بعيدًا عن العلاقات والمواقع والحسابات التنظيمية.

وهنا لا نتحدث عن التشكيك في نزاهة الأشخاص أو التقليل من كفاءاتهم، بل عن قاعدة مؤسسية بسيطة:

كلما ابتعد الرقيب عن موقع القرار الذي يخضع لرقابته، ازدادت ثقة القاعدة بالرقابة، وازدادت قدرة المؤسسة على حماية نفسها.

فالفصل بين المواقع ليس إقصاءً للكفاءات، ولا انتقاصًا من مكانة أي كادر، وإنما هو حماية للرقيب والمؤسسة معًا من تضارب المصالح، ومن أي شبهة يمكن أن تضعف ثقة العضوية بنتائج الرقابة.

حماية العضوية تبدأ من حماية الثقة

عندما يلجأ عضو إلى هيئة الرقابة، فإنه لا يبحث فقط عن قرار، بل يبحث قبل كل شيء عن الإنصاف والثقة.

يريد أن يعرف أن قضيته ستُنظر إليها بعيدًا عن العلاقات الشخصية، وأن من يتولى دراسة ملفه ليس طرفًا في القضية أو مرتبطًا بموقع قد يؤثر في الحكم عليها.

وهنا تصبح استقلالية الرقيب جزءًا لا يتجزأ من حماية العضوية.

فالعضو لا يحتاج إلى رقابة تُخيفه، وإنما إلى رقابة تحمي حقه، وتصون كرامته، وتعيد الاعتبار للنظام الداخلي عندما يحدث خلل أو تجاوز.

فالرقابة الحقيقية ليست أداة للضغط على الكوادر، بل صمام أمان للمؤسسة والعضو والمسؤول في آن واحد.

غزة... مسؤولية تتجاوز الأسماء

وفي المحافظات الجنوبية، تكتسب هذه المهمة أهمية خاصة، مع تشكيل لجنة الرقابة الحركية وحماية العضوية التي تضم:

ضياء الأغا، منذر الحايك، أحمد صالح، عادل ديب الناجي، عز الدين عبد العال، محمد عادل الجبور، عماد الوحيدي، وأحمد أبو جزر مقررًا.

ووجود لجنة للرقابة في غزة يمكن أن يشكل خطوة مهمة باتجاه تعزيز العمل المؤسسي، والاستماع إلى القاعدة التنظيمية، ومتابعة قضايا العضوية، ومعالجة الإشكالات وفق اللوائح والضوابط المعتمدة.

لكن نجاح أي لجنة رقابية لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو الملفات التي تنظر فيها، وإنما بمدى قدرتها على أن تصبح مرجعًا للعدالة التنظيمية، وأن تجعل اللائحة أقوى من العلاقة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والحق أقوى من أي اعتبار آخر.

لا ينبغي أن تختلط المواقع

من الطبيعي أن تمتلك الحركة كوادر تجمع بين الخبرة والكفاءة والقدرة على العمل في أكثر من مجال، وهذا أمر إيجابي في ذاته.

لكن الكفاءة لا تعني بالضرورة الجمع بين المواقع.

فالمسؤولية التنظيمية التنفيذية تختلف في طبيعتها عن المسؤولية الرقابية، وكلما كانت الحدود بينهما أكثر وضوحًا، كان العمل أكثر نزاهة وشفافية.

وإذا كانت اللوائح التنظيمية تنص على عدم الجمع بين عضوية هيئة الرقابة والمسؤولية في الأطر التي تخضع لرقابتها، فإن احترام هذا النص يجب أن يكون قاعدة على الجميع دون استثناء.

أما إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من التوضيح أو لم تكن النصوص حاسمة، فإن وضع ضوابط واضحة تمنع تضارب المصالح يصبح ضرورة مؤسسية، لا استهدافًا لأحد.

فالمؤسسة القوية لا تنتظر وقوع الإشكال حتى تعالجه، وإنما تضع الضوابط التي تمنع وقوعه من الأساس.

فتح تحتاج إلى مؤسسات لا إلى اجتهادات

في هذه المرحلة، تحتاج حركة فتح أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة يكون فيها النظام الداخلي هو الحكم، والمؤسسة هي المرجع، والعضوية حقًا مصانًا.

فالرقابة ليست سيفًا مسلطًا على الكوادر، وليست بابًا للعقوبات، وليست وسيلة لتصفية الحسابات.

إنها، في جوهرها، وسيلة لحماية الحركة من التجاوزات، وحماية العضو من الظلم، وحماية المسؤول نفسه من الخطأ.

وكلما كانت الرقابة أكثر استقلالًا، كانت أكثر احترامًا.

وكلما كانت القاعدة واحدة على الجميع، كانت المؤسسة أكثر قوة.

وكلما شعر العضو أن هناك جهة مؤسسية قادرة على حماية حقه، ازدادت ثقته بحركته وبنظامها الداخلي.

كلمة أخيرة

إن تشكيل هيئة الرقابة الحركية وحماية العضوية، ووجود لجنة لها في غزة، يمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل المؤسسي، وترسيخ ثقافة تنظيمية يكون فيها القانون الداخلي فوق الأشخاص، والحق فوق العلاقات، والمصلحة التنظيمية فوق الحسابات الفردية.

والمطلوب هنا ليس محاكمة أشخاص، ولا التشكيك في نزاهة أحد، وإنما حماية الجميع من خلال قاعدة واضحة:

أن يكون لكل موقع حدوده، ولكل مسؤولية استقلالها، وأن تبقى الرقابة بعيدة عن تضارب المصالح وتداخل الصلاحيات.

ففي النهاية، لا يكفي أن يكون الرقيب نزيهًا؛ بل يجب أن يكون موقعه نفسه محصنًا من الشبهة وتداخل الصلاحيات.

لأن الرقابة عندما تستقل... تحمي المؤسسة.

والمؤسسة عندما تحترم نظامها... تحمي العضوية.

والعضوية عندما تشعر بالإنصاف... تستعيد ثقتها بالمؤسسة.

وهنا تبدأ العدالة التنظيمية، وهنا تستعيد المؤسسة هيبتها.

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

لقد بلّغنا ما علينا، وقلنا ما يجب أن يُقال، نصحًا وأمانةً، لا خصومةً ولا تجريحًا.

اللهم إنّا قد بلّغنا، فاشهد.

×
أخبار
ف.بوليسي: "صفقات ترامب" في الشرق الأوسط تعمل ضد نفسها وتسلّح المتنافسين وزراء خارجية مجموعة العشرين يدعون لحماية الممرات البحرية وإمدادات الطاقة تل أبيب: الآلاف يتظاهرون للمطالبة بتشكيل حكومة يهودية عربية فورًا بعد رسالة فانس.. رضائي يتحدث عن تغير لهجة واشنطن والعقيدة النووية الهند تقترب من منح شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية عقداً بقيمة 905.7 مليون دولار التقى لابيد..آيزنكوت يحدد 4 مبادئ لتشكيل "حكومة صهيونية واسعة" روبيو: ترامب لم يتخذ قرارا بشأن تنفيذ عمل عسكري ضد إيران الأمن الروسي: تلقينا معلومات من الجانب الأمريكي حول هجوم إرهابي محتمل في متحف موسكو بترا: الجيش الأردني يعلن إحباط تسلل مجموعة مسلحة من سوريا خبراء: الاستطلاعات الإلكترونية وغياب الشفافية وراء الفجوة بين توقعات القنوات الإسرائيلية والنتائج الفعلية السودان: مطار أصوصا الإثيوبي يستخدم كمنصة لإطلاق مسيرات الدعم السريع خبيرة استراتيجية تصف الحرب الأمريكية على إيران بـ"الأكثر غباءً في التاريخ" تعليمات جديدة لشركات الطيران القادمة لتل أبيب بعد حادثة "فلاي دبي" بيرنهام منفتح على تقديم اعتذار رسمي عن دور بريطانيا في تجارة العبيد الشيباني: سورية تبحث الانضمام إلى "حلف مكة" السعودي الباكستاني التركي إعلام إيراني: هجوم أمريكي يستهدف قاربي صيد قبالة جزيرة قشم..فقدان شخصين تليغراف: مجتبى خامنئي يعقد اجتماعات سرية لإثبات سيطرته على الحكم في إيران الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,594 شهيدا ترامب أخيرا نطقها: أنا لص وليس محرر إنساني! جيش الاحتلال يواصل عدوانه على مدينة الخليل لليوم التاسع حصارا واعتقالات وهدم انقلاب في بولندا.. الرئيس يقطع رحلته ويقتحم المحكمة الدستورية- فيديو صحيفة: إسرائيل توسّلت لبريطانيا تأجيل الاعتراف بدولة فلسطين ترامب: أمريكا كسبت من فنزويلا 10 أضعاف ما أنفقته ضد إيران مسؤول إيراني يكشف لـ"سي إن إن" عن أهداف طهران الانتقامية إذا هاجمتها أمريكا أو إسرائيل روسيا وأمريكا تستخدمان الفيتو ضد قرارين بالأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية التحالف: الدفاع الجوي اعترض ودمر مسيرة معادية بمنطقة الرياض رئيس وزراء كندا كارني: سأنتظر رئيساً جديداً لأمريكا حول الاتفاقية التجارية بن رودس: حرب إدارة بايدن في غزة "تطرف سياسي".. ومسؤولون أمريكيون مكّنوا لجرائم حرب بشروط معدومة الخزانة الأمريكية: مساعي إيران لتحويل تجارتها إلى الطرق البرية "فشلت" تقرير: "الاستمرار في المسار الحالي" هو الخيار الأقل سوءاً لأمريكا في مواجهة إيران

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط