نتائج انتخابات كنيست دولة الكيان، أي كان حكومتها القادمة، أكدت الحقيقة التاريخية الأهم قالها الصوت العربي..هنا باقون والمفتاح لا زال بيدنا.

عيد الوحدة: تتويج للدبلوماسية الملكية الراقية وامتداد لمسار بناء الأمة المغربية

عيد الوحدة: تتويج للدبلوماسية الملكية الراقية وامتداد لمسار بناء الأمة المغربية

تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:45

نبيل بلعطار
نبيل بلعطار

قراءة سوسيولوجية وسياسية في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797

 تشكل الأعياد الوطنية في التجارب التاريخية الكبرى أكثر من مجرد محطات احتفالية عابرة؛ فهي لحظات رمزية تعيد الأمم من خلالها قراءة ذاكرتها الجماعية، وتستحضر مسارات تشكلها التاريخي، وتجدد تعاقدها المعنوي حول الثوابت المؤسسة لوحدتها واستمراريتها. وفي الحالة المغربية، تكتسب الأعياد الوطنية بعدا حضاريا خاصا، لأنها تجسد صفحات مضيئة من مسار بناء الدولة المغربية الحديثة، وترسخ الوعي الجماعي بقيم الوطنية والتضامن والوفاء للمؤسسة الملكية التي ظلت عبر القرون الضامن الأساسي لوحدة البلاد واستقرارها واستمرارية كيانها السياسي والحضاري.

لقد استطاع المغرب، عبر مختلف المراحل التاريخية التي مر بها، أن يحول التحديات الكبرى إلى فرص لتعزيز تماسكه الوطني. فمن رحم معركة التحرير والاستقلال برزت ملحمة ثورة الملك والشعب بقيادة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، باعتبارها تجسيداً فريداً للالتحام العضوي بين العرش والشعب. لم تكن تلك الثورة مجرد مواجهة للاستعمار، بل كانت تعبيرا عميقا عن تشكل وعي وطني جماعي أدرك أن استقلال الوطن لا يتحقق إلا من خلال وحدة الإرادة والهدف والمصير.

ثم جاءت مرحلة جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، التي اتسمت بحكمة سياسية استثنائية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، توجت بالمسيرة الخضراء سنة 1975، ذلك الحدث التاريخي الذي لا يزال يشكل نموذجاً عالمياً في استرجاع الحقوق بالوسائل السلمية والحضارية. لقد قدمت المسيرة الخضراء صورة بليغة عن قدرة الدولة المغربية على تعبئة المجتمع حول قضاياه المصيرية، وربطت بين الشرعية التاريخية والشرعية الشعبية، مؤكدة أن قضية الصحراء لم تكن قضية حدود أو جغرافيا فحسب، بل قضية وجود، وكرامة، وسيادة وطنية.

وفي العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، دخلت القضية الوطنية مرحلة جديدة عنوانها الدبلوماسية الملكية الراقية، القائمة على الحكمة والاستباقية والتخطيط الاستراتيجي وحسن تدبير التحولات الدولية المتسارعة. فقد نجح المغرب، تحت القيادة الملكية الرشيدة، في الانتقال من منطق الدفاع عن القضية الوطنية إلى منطق المبادرة وصناعة التوافقات الدولية حولها، وهو ما أثمر تحولات كبرى في مواقف العديد من الدول والمنظمات الدولية تجاه مغربية الصحراء.

ولم يكن هذا النجاح الدبلوماسي معزولا عن التحولات الداخلية التي عرفتها المملكة. فالمغرب الجديد الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس ليس فقط دولة تدافع عن وحدتها الترابية، بل دولة تبني نموذجاً تنموياً متكاملاً يزاوج بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي. فمن المشاريع الهيكلية الكبرى إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، ومن ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان إلى تطوير البنيات التحتية والصناعية والطاقية، استطاع المغرب أن يرسخ صورته كقوة إقليمية صاعدة وشريك دولي موثوق يحظى بالاحترام والمصداقية.

ومن هذا المنطلق، فإن تنامي الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية لا يمكن فهمه فقط من زاوية التحرك الدبلوماسي، بل ينبغي قراءته باعتباره نتيجة لتكامل بين الشرعية التاريخية والمشروعية التنموية والنجاعة المؤسساتية. فالدول لا تدعم المواقف السياسية المجردة، وإنما تنظر أيضا إلى قدرة الدول على إنتاج الاستقرار وتحقيق التنمية وصيانة الأمن الإقليمي والدولي. ولذلك فإن النجاحات التي راكمها المغرب في مختلف المجالات شكلت رافعة أساسية عززت مكانته الدولية ورسخت عدالة قضيته الوطنية.

ومن منظور سوسيولوجي، تحتل الأعياد الوطنية مكانة مركزية في بناء المجتمعات الحديثة. فقد اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم أن الطقوس الجماعية والأعياد تشكل لحظات استثنائية يعيد فيها المجتمع إنتاج ذاته ورموزه وقيمه المؤسسة. فالأفراد، عندما يجتمعون حول حدث وطني جامع، لا يحتفلون فقط بذكرى تاريخية، بل يعيدون تأكيد انتمائهم إلى جماعة سياسية وأخلاقية واحدة تتجاوز المصالح الفردية الضيقة.

ووفق هذا التصور، تتحول الأعياد الوطنية إلى آليات لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي وتجديد الروابط الرمزية بين الأفراد والمؤسسات. فهي تمنح المواطنين شعورا بالانتماء المشترك، وتغرس في الأجيال الجديدة الوعي بالمسؤولية التاريخية تجاه الوطن، كما تساهم في تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ قيم المواطنة الفاعلة. ومن هنا تتجاوز الأعياد الوطنية بعدها الاحتفالي لتصبح مؤسسة اجتماعية قائمة بذاتها تؤدي وظائف ثقافية وتربوية وسياسية عميقة.

وفي هذا السياق، يكتسب إعلان 31 أكتوبر عيدا وطنيا للوحدة دلالة استراتيجية تتجاوز البعد الرمزي المباشر. فهو ليس مجرد إضافة مناسبة جديدة إلى الروزنامة الوطنية، وإنما يمثل لحظة تاريخية تؤرخ لتحول نوعي في مسار القضية الوطنية، وتعكس حجم المكاسب التي حققتها الدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا القرار في سياق صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، الذي عزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية وواقعية لتسوية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.

إن عيد الوحدة يعبر في جوهره عن رؤية ملكية استراتيجية تجعل من قضية الصحراء قضية بناء واندماج ومستقبل، وليس فقط قضية دفاع عن السيادة. فهو تجسيد لمرحلة انتقل فيها المغرب من تثبيت مشروعية موقفه التاريخي إلى ترسيخ اعتراف دولي متزايد بعدالته، ومن إدارة النزاع إلى بناء الأفق التنموي والسياسي للأقاليم الجنوبية في إطار الوحدة الوطنية الجامعة.

كما أن هذا العيد يحمل رسالة قوية إلى الأجيال الصاعدة بأن الوحدة الترابية ليست معطى نهائياً يتوارث بشكل تلقائي، بل هي مشروع جماعي يتطلب وعياً مستمراً وتعبئة دائمة وصيانة متواصلة للذاكرة الوطنية. فالوطنية الحقة لا تتجسد فقط في الدفاع عن الأرض، وإنما أيضاً في الإسهام في بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وخدمة مصالحها العليا.

ولذلك فإن عيد الوحدة يمثل مناسبة للاعتراف بكل الجهود التي بذلها المغاربة، بمختلف مواقعهم وانتماءاتهم، في الدفاع عن القضية الوطنية. فهو احتفاء بالدبلوماسي والعسكري والأستاذ الجامعي والإعلامي والباحث والفاعل المدني، وبكل من أسهم في ترسيخ عدالة الموقف المغربي داخل الوطن وخارجه. إنه عيد يجسد وحدة المصير وتكامل الأدوار وتلاحم الإرادات تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

وإذا كان تتويج المسيرة الخضراء قد ارتبط باسترجاع الأرض، فإن عيد الوحدة يرتبط بتثبيت المكاسب وترسيخ الاعترافات الدولية وتعزيز شروط التنمية الشاملة. فهو ثمرة لمسار طويل من العمل الدبلوماسي الهادئ والفعال الذي جعل المغرب اليوم يحظى بثقة شركائه الدوليين وبموقع متقدم داخل محيطه الإقليمي والقاري والدولي.

وقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الثانية عشرة للبرلمان يوم 10 أكتوبر 2026، أن المغرب يدخل مرحلة جديدة عنوانها تعزيز مكانته كقوة اقتصادية وتجارية واستراتيجية صاعدة. وفي هذا الإطار تبرز أهمية تحقيق العدالة المجالية بين مختلف جهات المملكة، وتعزيز اللاتمركز الإداري، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، واستكمال الأوراش التنموية الكبرى، باعتبارها مداخل أساسية لإنجاح النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية وترجمة مشروع الحكم الذاتي إلى نموذج متقدم للحكامة الترابية والتنمية المستدامة.

أخيراً

إن عيد الوحدة، في عمقه السياسي والسوسيولوجي والحضاري، ليس فقط احتفاء بانتصار دبلوماسي أو مكسب سياسي، بل هو احتفاء بانتصار فكرة الدولة المغربية نفسها؛ تلك الدولة التي استطاعت عبر تعاقب القرون أن تحافظ على وحدتها واستمراريتها وهويتها المتعددة الروافد. إنه عيد يؤكد أن قوة المغرب لا تكمن فقط في موقعه الجغرافي أو إمكاناته الاقتصادية، بل في قدرته التاريخية على تحويل التنوع إلى وحدة، والذاكرة إلى مشروع، والتحديات إلى فرص للنهوض والتقدم.

إن إعلان عيد الوحدة يشكل لحظة مفصلية في التاريخ الوطني المعاصر، لأنه يجمع بين الوفاء لذاكرة النضال الوطني واستشراف آفاق المستقبل. فهو تتويج لمسار دبلوماسي ملكي استثنائي نجح في تعزيز المكتسبات الوطنية وترسيخ مكانة المغرب بين الأمم، كما أنه تجسيد لوعي جماعي متجدد بأن وحدة الوطن ليست فقط حقيقة جغرافية، بل قيمة حضارية وأخلاقية وسياسية تشكل جوهر المشروع المغربي. وهكذا يظل عيد الوحدة رمزا لانتصار الشرعية التاريخية، ولنجاح الرؤية الملكية المتبصرة، ولقدرة المغرب على مواصلة بناء مستقبله بثقة وثبات في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه الرهانات

×
أخبار
عراقجي يحذر من أي "مغامرة عسكرية" إسرائيلية في المنطقة محدث - النتائج الرسمية لانتخابات الكنيست بعد فرز 100% من الأصوات.. القوائم العربية إنجاز تاريخي شهداء وجرحى في غارات إسرائيلية استهدفت مواصي رفح وخانيونس جنوبي قطاع غزة مسؤول إيراني لرويترز: قطر لم تقدم مقترحا جديدا لإنهاء الأعمال القتالية بين طهران وواشنطن  بوتين: نشهد بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب وهو مسار لا رجعة فيه وانتهـى عهد تحديـــد الغـرب لمصائر الدول “و س ج”: أمريكا أبلغت دولا خليجية بالإستعداد لحملة عسكرية ضد إيران قطر تقدم مقترحًا جديدًا لإنهاء الحرب بمشاركة دول عدة.. وإيران تدرس الرد الكويت تستدعي السفير الإيراني وتسلمه مذكرة احتجاج على بيان لسفارة بلاده إسبانيا: 64 قتيلا على الأقل جراء اصطدام قطارين جنوب مدريد إغلاق شواطئ مدينة الشارقة مؤقتاً لتجنب وصول تلوث نفطي غولان لشركائه: "لا تقبلوا تقسيم نتنياهو العنصري بين أصوات اليهود وأصوات العرب" الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,564 شهيدا جيش الاحتلال يواصل حربه العدوانية في الضفة والقدس..الخليل تحت الحصار لليوم السادس البنتاغون: تكلفة الحرب على إيران تجاوزت 47 مليار دولار الحكومة الإسرائيلية القادمة..العرب أم الحرب! سوريا تعلن عودة حركة المسافرين والحركة التجارية عبر معبر نصيب الحدودي مع الأردن ترامب: يبدو الأمر وكأنه تعادل أو حتى انتصار لنتنياهو بعد دعمه حملة حقوقية دولية تدعو لعدم تولي لانا نسيبة الأمانة العامة للأمم المتحدة لولا: مغادرة بولسونارو لأمريكا بعد هزيمته في الانتخابات أمر معيب عينات أولى تشير إلى خسارة كبيرة لنتنياهو 50 مقعد..التغيير 53 والعرب بين 17 و18 قادة الدول المصدرة للغاز يعتمدون "إعلان موسكو" في ختام قمتهم الثامنة برئاسة بوتين سفيرة السعودية ريما بندر في أمريكا تدعو إلى تحالف دولي لمواجهة الحوثيين بوتين يبحث مع بزشكيان الوضع في الشرق الأوسط قطر: على إيران وقف التهديد وضمان ‌حرية الملاحة بـ"مضيق هرمز" لإثبات حسن النية كولومبيا تنسحب من مجموعة لاهاي بسبب إجراءات التكتل تجاه إسرائيل انتخابات إسرائيل.. أعلى إقبال منذ 45 عاماً ونتنياهو يهاجم الأحزاب العربية تحذير أممي من "تطهير عرقي" في الخليل ومطالب بوقف فوري للتهجير القسري تركيا.. لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان توافق على مشروع قانون اتفاقية مكة الحوثيون: استهداف وزارة الدفاع في الرياض وإصابتها بشكل مباشر سلطات الاحتلال تحتجز وفداً برلمانياً أوروبياً وتواصل عمليتها العسكرية الواسعة في الخليل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط