حين يصبح المواطن فريسةً للجوع وغلاء الأسعار، ولا يجد جهةً تحميه أو قانونًا ينصفه، فإن المأساة تتجاوز حدود الفقر لتصبح أزمةً في الأمن والعدالة وكرامة الإنسان.
في خضم ما يُكتب عن أوجاع غزة، وعن الجوع والعطش والمرض وفقدان العلاج، لا بد أن نسلّط الضوء على جانب بالغ الخطورة، قد لا يحظى بما يستحقه من اهتمام: الفراغ الأمني والقضائي، وغياب الرقابة الفاعلة التي تحمي المواطن من الفوضى والاستغلال.
إن أهل غزة لا يواجهون فقط آثار الحرب والحصار والدمار، بل يواجهون أيضًا معركة يومية لتأمين أبسط متطلبات الحياة، في ظل ظروف استثنائية أنهكت الأسر، واستنزفت مدخراتها، وحرمت كثيرًا من الناس مصادر رزقهم. والمؤلم أن المواطن، الذي فقد بيته أو مصدر دخله أو كليهما، بات يجد نفسه أمام أسعار تتغير بصورة صادمة؛ فما كان متاحًا بالأمس بسعر معين، قد يفاجأ اليوم بارتفاعه إلى مستويات خيالية لا تستطيع الأسرة تحملها. وأنا هنا لا أتحدث من بعيد، ولا أكتب عن معاناة سمعت بها من الآخرين فحسب؛ بل أعيش المأساة نفسها مع أبناء شعبي، وأشعر بما يشعرون به من عجز وقلق وحيرة أمام متطلبات الحياة التي أصبحت تفوق قدرة كثير من الأسر. من يحمي المواطن حين تغيب الرقابة؟
تخيلوا أن تستيقظ الأسرة في الصباح لتكتشف أن أسعار احتياجاتها الأساسية ارتفعت بصورة لا تتناسب مع قدرتها الشرائية، وأن ما كانت تستطيع شراءه بالأمس لم يعد في متناول يدها اليوم.
كيف ستدبّر أم احتياجات أطفالها؟ وكيف يستطيع أب فقد عمله أن يوفر الغذاء لأسرته؟ وماذا يفعل المسن أو المريض الذي لا يملك مصدر دخل ثابتًا، ولا يستطيع الاستغناء عن احتياجاته اليومية؟
إنها ليست أسئلة نظرية، بل تفاصيل مؤلمة من حياة الناس. وحين تغيب الرقابة الفاعلة، وتضعف قدرة الجهات المختصة على ضبط الأسواق ومحاسبة المخالفين، يجد المواطن نفسه مكشوفًا أمام فوضى الأسعار، دون مرجعية واضحة يلجأ إليها، ودون ضمانات كافية تحميه من الاستغلال. هل أصبحت معاناة الناس سوقًا مفتوحة للربح؟.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أوقات الكوارث هو أن يشعر المواطن بأنه متروك لمواجهة مصيره وحده، وأن حاجته إلى الطعام والدواء لا تجد من يحميها من الاستغلال. عندما تتكرر القفزات المفاجئة في الأسعار، يصبح من حق الناس أن يسألوا: من يراقب الأسواق؟ من يحدد أسباب هذه الارتفاعات؟ أين الجهات المسؤولة عن حماية المستهلك؟ وهل توجد آلية واضحة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها ومحاسبة من تثبت مخالفته؟
لا يجوز أن تتحول لقمة الفقير إلى سلعة تُستنزف من أجلها آخر مدخراته، ولا أن يصبح عجز الأسرة عن توفير احتياجات أطفالها أمرًا اعتياديًا في حياة مجتمع أنهكته الحرب. فلا يمكن أن نتحدث عن التعافي وإعادة الإعمار بينما يشعر الإنسان بأنه عاجز عن حماية أبسط حقوقه اليومية. إن أهل غزة لا يحتاجون إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى إجراءات ملموسة يشعرون بنتائجها في حياتهم اليومية. نطالب الجهات القادرة على التأثير في دخول البضائع والمساعدات إلى غزة بتحمل مسؤولياتها، لأن معالجة الأزمة لا تكتمل دون معالجة أسباب نقص الإمدادات والقيود التي تفاقم المعاناة الإنسانية.
غزة تستحق حياةً لا تقوم على الخوف والعجز.
أكتب هذه الكلمات لأنني واحدة من أبناء هذا الشعب الذي يدفع أثمانًا باهظة، ولأنني أعرف أن وراء كل أسرة تعجز عن شراء احتياجاتها قصة ألم لا تظهر في نشرات الأخبار. لسنا بحاجة إلى من يعدد أوجاعنا فقط؛ نحتاج إلى من يعمل على تخفيفها. ولسنا بحاجة إلى من يتحدث عن كرامة المواطن في الخطب، بينما يُترك المواطن عاجزًا أمام احتياجات أسرته؛ بل نحتاج إلى مؤسسات تحميه، وقانون يُنصفه، ورقابة تمنع استغلاله.
إن المواطن الغزي لا يطلب امتيازات خاصة، بل يطلب حقه في الغذاء والدواء والأمان والعدالة. يريد أن يعرف أن هناك من يسمع صوته، وأن هناك قانونًا يحميه، وأن هناك مسؤولًا يدرك أن منصبه تكليف لخدمة الناس، لا مجرد موقع إداري.
فهل يعقل أن ينجو الإنسان من القصف والدمار، ثم يجد نفسه عاجزًا عن تأمين رغيف الخبز؟ وهل يُعقل أن يفقد بيته وأمانه ومصدر رزقه، ثم يُترك وحده في مواجهة فوضى الأسعار وغياب الرقابة؟
غزة لا تحتاج إلى الغذاء وحده، ولا إلى الدواء وحده؛ إنها تحتاج إلى منظومة تحمي الإنسان من الجوع والخوف والاستغلال، وتعيد إليه ثقته بأن حقوقه ليست منّةً من أحد. إن صرختنا اليوم ليست ضد تاجر بعينه، ولا اتهامًا بلا دليل، بل مطالبة صريحة بوقف كل أشكال الاستغلال، وتفعيل الرقابة والمحاسبة، ووضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. فمن لا يشعر بوجع شعبه، ولا يتحرك لحماية كرامته وحقوقه، عليه أن يراجع معنى المسؤولية التي يحملها.
والسؤال الذي نضعه أمام كل الجهات المسؤولة هو:
من يحمي المواطن الغزي اليوم، حين يحاصره الجوع من جهة، وغلاء الأسعار من جهة أخرى، ويبحث عن الأمن والعدالة فلا يجد استجابة توازي حجم معاناته؟