تاريخ النشر: 2026-09-27 | 14:54
تاريخ النشر: 2026-09-27 | 14:54
فلسطين ليست مجرد اسمٍ على خارطة، ولا عنواناً في كتاب تاريخ، ولا قضيةً يمكن اختزالها في صفقة سياسية أو ترتيبات أمنية أو مشروع اقتصادي. فلسطين وطنٌ وهويةٌ وذاكرة، وشعبٌ له حقوق وطنية وتاريخية وقانونية راسخة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال والسيادة.
ولهذا تحديداً ظل اسم فلسطين حاضراً في الوجدان الفلسطيني والعربي والإنساني، رغم كل محاولات الاقتلاع والتشريد والمحو وإعادة تعريف الجغرافيا والتاريخ. فالاسم الذي تحمله أجيال متعاقبة لا تستطيع قوةٌ سياسية أن تلغيه بقرار، ولا أن تستبدله بتسميةٍ أخرى، ولا أن تمحو دلالاته من الوعي الجمعي.
وليس هذا مجرد خطابٍ وجداني؛ فالمجتمع الدولي نفسه كرّس في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في تقرير المصير والاستقلال والسيادة وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. وقد أعادت الجمعية العامة التأكيد على هذه الحقوق في القرار 3236 لعام 1974، كما ظل القرار 194 لعام 1948 مرجعاً أساسياً في قضية اللاجئين.
وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير حق أصيل وغير قابل للتصرف، وأن سياسات وممارسات الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 تعوق ممارسة هذا الحق، كما أكدت عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة.
ومن هنا، فإن أي مشروع يسعى إلى التعامل مع فلسطين باعتبارها فراغاً سياسياً يمكن ملؤه، أو أرضاً يمكن إعادة تسميتها، أو شعباً يمكن تجاوز إرادته، يصطدم قبل أي شيء بحقيقة قانونية وتاريخية وسياسية: فالشعب الفلسطيني هو صاحب القضية، ولا يمكن أن يكون مستقبله موضوعاً لتقرير الآخرين عنه.
إن محاولات شطب اسم فلسطين من المناهج أو الوثائق أو الخطاب السياسي، أو استبدال هويتها التاريخية والجغرافية بتسميات أخرى، لن تغيّر الحقيقة. فالوقائع لا تُمحى بتغيير الأسماء، والحقوق لا تسقط بتغيير المصطلحات، والتاريخ لا يُعاد تشكيله وفق رغبة القوة القائمة بالاحتلال.
ولذلك نقول للسيد بلير وكوشنر، ولكل من يتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق الصفقات وإدارة المصالح: فلسطين ليست للبيع.
ليست فلسطين عقاراً معروضاً في مزاد، ولا مشروعاً استثمارياً، ولا منطقةً يمكن إعادة هندسة هويتها السياسية والجغرافية بعيداً عن شعبها وحقوقه.
ونقول كذلك لكل من راهن على أن التطبيع أو التحالفات الإقليمية يمكن أن تتجاوز الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني: إن إقامة علاقات بين الدول شأنٌ سيادي يخص أطرافها، لكن تحويل تلك العلاقات إلى بديل عن الحقوق الفلسطينية أو وسيلة لتجاوزها لن ينهي القضية الفلسطينية، ولن يصنع سلاماً دائماً.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على محو الضحية من المعادلة، ولا على تجاوز حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وإنما على معالجة جذور الصراع وفق القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية، والوصول إلى تسوية عادلة ودائمة.
أما الذين يظنون أن الزمن كفيلٌ بإسقاط فلسطين من الذاكرة، أو أن أجيالها القادمة ستتخلى عن اسمها وهويتها وحقوقها، فهم يراهنون على ما لا يملكون: ذاكرة شعبٍ كاملة.
قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتأتي مشاريع وتذهب أخرى، وقد تُعقد الصفقات وتُرسم خرائط جديدة على الورق؛ لكن الورق لا يستطيع أن يلغي الإنسان، والصفقة لا تستطيع أن تلغي الحق، والقوة لا تستطيع أن تمنح الشرعية لما يخالف قواعد القانون الدولي.
إلى كل العابثين بالمصير الفلسطيني، وإلى كل من يحاول أن يرسم مستقبل فلسطين من خارج إرادة شعبها: لا تراهنوا على النسيان.
فلسطين ليست للبيع، وليست قابلةً للمحو، وليست ملكاً لأي طرف حتى يتصرف بها نيابةً عن شعبها.
إنها وطنٌ يسكن الوجدان، وحقٌ تحميه الذاكرة، وقضيةٌ كرّس القانون الدولي جانباً أساسياً من حقوق شعبها.
فلسطين كانت، وفلسطين هي، وفلسطين ستبقى.
وفلسطين ليست للبيع.
د. عبد الرحيم جاموس
27/9/2026
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: