تاريخ النشر: 2026-10-04 | 13:57
تاريخ النشر: 2026-10-04 | 13:57
تل أبيب: تدخل إسرائيل انتخاباتها المقررة في 27 أكتوبر الجاري وسط سباق سياسي محتدم، بالتزامن مع تسارع خطوات حكومية واستيطانية في الضفة الغربية تبدو مصممة لتجاوز مجرد الحسابات الانتخابية. فطرح آلاف الوحدات السكنية في منطقة “E1″، وخطط توسيع المستوطنات، وتسجيل الأراضي، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين، كلها تتحرك في اتجاه واحد: خلق وقائع جديدة على الأرض قبل معرفة شكل الحكومة المقبلة.وفقًا لــ صحيفة فايننشال تايمز يوم الأحد.
وبينما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منافسة قوية من معسكر المعارضة، يبرز سؤال يتجاوز نتيجة صناديق الاقتراع: “هل تستطيع حكومة جديدة، حتى لو أرادت تغيير النهج، تفكيك شبكة الإجراءات التي يجري تثبيتها الآن في الضفة الغربية؟”.
“E1”..مشروع يتجاوز الانتخابات
تأتي منطقة “E1” في قلب التحرك الاستيطاني، فالحكومة طرحت مناقصات لإنشاء نحو 3300 وحدة سكنية في المنطقة الواقعة قرب القدس، في خطوة ظلت الحكومات الإسرائيلية تتجنب تنفيذها لعقود بسبب حساسيتها السياسية وتداعياتها على فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وترى جهات معارضة للاستيطان أن المشروع يمكن أن يفصل شمال الضفة عن جنوبها ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
ولا تقتصر المسألة على البناء، إذ تتزامن مشاريع “E1” مع تحركات لتسجيل الأراضي وتوسيع مستوطنات قائمة وإعادة إحياء مواقع أُخليت سابقًا. ويقول محللون إن الهدف الأبعد هو دفع أكبر عدد ممكن من المشاريع إلى مرحلة يصعب معها على أي حكومة لاحقة إلغاؤها، بحيث تتحول القرارات الإدارية والإنشائية إلى قيود سياسية على خياراتها المستقبلية.
الاستيطان كأمر واقع
في شمال الضفة، تمضي الحكومة في خطط لإنشاء مستوطنات جديدة، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز الوجود الإسرائيلي في مناطق لا تزال تتمتع بدرجة نسبية من التواصل الجغرافي الفلسطيني.
ويرى منتقدون أن هذه السياسة لا تغير الخريطة فحسب، وإنما تعيد تشكيل الحركة والسكان والموارد بما يصعّب مستقبلًا أي محاولة لإعادة رسم الحدود أو إطلاق مسار سياسي جاد.
ويترافق ذلك مع زيادة ملحوظة في عنف المستوطنين، ووفق الأمم المتحدة، سجلت الضفة الغربية في 2026 مستويات غير مسبوقة من الهجمات، مع توثيق أكثر من 1430 حادثة حتى أغسطس، وتأثر نحو 260 تجمعًا فلسطينيًا، فيما أدى العنف وإجراءات الهدم والإخلاء إلى نزوح نحو 3800 فلسطيني خلال العام.
العنف.. أداة لتثبيت الجغرافيا
لا ينفصل هذا التصعيد عن التحولات الميدانية، فالهجمات على القرى والممتلكات وقطع الطرق والوصول إلى الأراضي الزراعية تضيف طبقة جديدة من القيود فوق الحواجز العسكرية والإجراءات الإدارية.
ومع استمرار هذه البيئة، يصبح البقاء الفلسطيني في بعض المناطق أكثر صعوبة، بينما تتوسع المساحة التي يمكن للمستوطنات والبؤر الجديدة الوصول إليها.
وتظهر صعوبة معالجة الظاهرة أيضًا في فجوة المساءلة، فحتى عندما تتدخل السلطات الإسرائيلية في بعض الحالات، يبقى السؤال متعلقًا بمدى قدرة الحكومة المقبلة على تحويل التعامل مع عنف المستوطنين من إجراءات ظرفية إلى سياسة أكثر صرامة واستمرارية، خصوصًا مع الانقسام السياسي حول مستقبل الضفة الغربية.
ماذا بعد نتنياهو؟
إذا تمكن معسكر معارض بقيادة جادي آيزنكوت من تشكيل حكومة، فمن المرجح أن يواجه اختبارًا معقدًا، فالأحزاب المعارضة تختلف في رؤيتها للضفة، كما أن المواقف الإسرائيلية العامة لا تميل بالضرورة إلى قبول انسحاب واسع من المستوطنات. وتبقى قدرة أي ائتلاف جديد على اتخاذ خطوات حادة محدودة بفعل توازناته الداخلية.
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا، فيتمثل في تعديل بعض السياسات دون انقلاب شامل عليها، فقد تستطيع حكومة جديدة تشديد التعامل مع عنف المستوطنين أو تخفيف بعض القيود الاقتصادية المفروضة على الفلسطينيين، لكنها قد تجد صعوبة كبيرة في إلغاء مشاريع وصلت بالفعل إلى مراحل متقدمة.
وفي المقابل، إذا بقي نتنياهو في السلطة، فقد يستمر الاتجاه نحو توسيع الاستيطان وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أجزاء أكبر من الضفة. أما إذا حدث تغيير سياسي، فالمعضلة ستتمثل في أن الحكومة الجديدة لن تبدأ من نقطة الصفر، بل من خريطة جرى تعديلها بالفعل. وهنا تكمن دلالة التحرك الحالي: الانتخابات قد تغير الحكومة، لكنها لن تمحو بسهولة الوقائع التي تُبنى على الأرض قبلها.