تاريخ النشر: 2026-10-20 | 15:07
تاريخ النشر: 2026-10-20 | 15:07
الفارق لا يقاس بما يقال في المؤتمرات الصحفية، بل بما يلمسه الناس بأقدامهم على الأرض.
هناك تهجير يحدث في أي حرب، الناس تهرب من القذيفة إلى الشارع الخلفي، من الحي المنكوب إلى حي أقل دمارا، وتعود عندما يصمت المدفع. هذا النوع من النزوح مؤلم، لكنه مفهوم، لأنه محمي بفكرة أساسية: سنعود. يكون هناك اسم مسجل، وخيمة برقم، ووعد واضح أن بيتك، حتى لو مهدوم، لا يزال لك، وأن الخروج إجراء لحمايتك لا لتجريدك.
وهناك تهجير آخر، لا يبدأ بسيارة جيش تأمرك بالخروج، بل يبدأ بجعل البقاء مستحيلا. يبدأ عندما لا يعود هناك ماء يصلح للشرب، ولا مدرسة تفتح بابها، ولا مستشفى يعمل، ولا بيت يمكن ترميمه. عندما يتحول الحديث عن الإعمار إلى تهمة، ويصبح الأمل نفسه هو العدو. حينها لا يحتاج أحد أن يضعك في حافلة، أنت ستحمل حقيبتك وحدك، لكن يدك التي حملتها لم تكن حرة تماما.
لهذا، عندما خرج مسؤول إسرائيلي ليقول إن الحل هو أن تستقبل كل دولة أوروبية عشرين أو ثلاثين ألف غزي، وأن تبقى غزة صغيرة ومكتظة ومدمرة حتى يفهم سكانها أنه لا جدوى من البقاء، كان يكشف التحول الخطير في الفكرة. لم يعد الأمر عن إبعاد الناس عن الخطر، بل عن إبقاء الخطر حولهم حتى يقتنعوا بالرحيل.
والمسألة هنا لا تتعلق فقط بالقصف. الحصار والتجويع وتعطيل المساعدات وحشر مئات الآلاف في بقعة ضيقة في الجنوب تحت لافتة "المنطقة الإنسانية" ثم ربط تلك المساعدات بالنزوح نفسه، كلها أدوات تخلق واقعا لا يطاق. وكما قالت إحدى الشهادات من غزة، اليوم لا يقال لك اخرج علنا، إنما يصنع لك واقع لا تستطيع أن تعيش فيه.
منظمات دولية مثل الأونروا رأت في هذه الآلية تهجيرا داخليا قسريا بغطاء إنساني، ودول عديدة اعتبرتها محاولة لإخراج شعب من أرضه. وحتى من داخل القانون الدولي، يصبح التهجير الذي يبدو طوعيا قسريا إذا كان الناس قد دفعوا إليه لأن الحياة جعلت مستحيلة.
ولهذا السؤال الحقيقي ليس هل يغادر أهل غزة؟ نعم، يغادرون، لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن مكان يتنفس فيه أطفاله. السؤال الأعمق هو: هل غادروا لأن الحرب فرضت عليهم لحظة نجاة مؤقتة، أم لأن سياسة كاملة صممت لتجعل العودة مستحيلة، ولتجعل فكرة البقاء نفسها بلا معنى؟
بين إجابتين يقع مصير قطاع بأكمله، بين أن تكون ضحية حرب تحتاج إلى حماية، أو ضحية مشروع يريدك أن تختفي بهدوء.