تاريخ النشر: 2026-10-20 | 14:21
تاريخ النشر: 2026-10-20 | 14:21
منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في منتصف التسعينيات عقب توقيع اتفاق أوسلو، عاش قطاع غزة موجة عارمة من التفاؤل والآمال العريضة التي دفعت آلاف المغتربين والمهجرين إلى حزم أمتعتهم والعودة إلى أرض الوطن، محملين بمدخرات العمر وأحلام بناء "سنغافورة الشرق الأوسط"، حيث شهدت تلك الحقبة افتتاح مطار غزة الدولي وتأسيس مؤسسات السلطة الوطنية، فاستثمر العائدون أموالهم في تشييد الأبراج السكنية، والفنادق، والمشاريع التجارية الاستراتيجية، وبنوا بيوتاً فارهة ظنوا أنها ستكون الملاذ الآمن المستدام لأبنائهم وأحفادهم، ورغم أن الحياة في غزة طوال السنوات اللاحقة لم تكن تخلو من مآسي الحصار البري والبحري والجوي وجولات التصعيد العسكري المتكررة، إلا أن الغزيين ظلوا متمسكين بشغف الحياة، فكانت جامعاتهم تخرج آلاف المهندسين والأطباء والمبدعين سنوياً، وكانت المشاريع التكنولوجية الناشئة تفرض نفسها عالمياً، وتزدحم شواطئ البحر والمقاهي بالصخب والضحكات هرباً من قسوة الواقع، مكرسين مفهوم الصمود البشري في أبهى صوره، حتى جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتشكل زلزالاً مدوياً غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني الحديث، فخلال عامين متواصلين من حرب الإبادة والدمار الشامل، استخدمت فيها آلاف الأطنان من المتفجرات وأحزمة النار الممنهجة، سويت أحياء سكنية كاملة بالأرض، ومُحيت عائلات وجذور ممتدة من السجل المدني تماماً، حيث لم تكن آلة الحرب تستهدف المقاتلين بل استهدفت بعمق وتخطيط كل معالم الحياة المدنية، فشهد القطاع تدميراً شاملاً وممنهجاً للبنى التحتية من شبكات مياه وكهرباء وطرقات، وطال الهدم الصروح الثقافية والتاريخية والبلدات القديمة ومساجدها التي صمدت لقرون، وفي خطوة خبيثة ومقصودة، ركز الاحتلال قصفه على المنظومة التعليمية، فدمر الجامعات العريقة كجامعة الأزهر والجامعة الإسلامية، وتحولت مئات المدارس المحمية دولياً إلى ركام أو مراكز إيواء محترقة، في محاولة واضحة لارتكاب جريمة "محو المعرفة" وحرمان أبناء غزة من حقهم الأساسي في التعليم، وتجهيل جيل كامل لكسر إرادته وتطلعاته المستقبلية، ليجد المواطن الغزي نفسه فجأة مجرداً من كل مقومات البشرية، يركض بين ركام منزله ومراكز الإيواء المكتظة، لا يبحث عن إعمار أو دولة أو طموح مهني، بل تنحصر معركته اليومية في تأمين رشفة ماء ملوث، أو كسرة خبز شحيحة، أو خيمة مهترئة تقيه وعائلته قسوة النزوح القسري المتكرر من مكان إلى آخر تحت دوي القذائف، هذا الواقع المأساوي المستمر أحدث شرخاً نفسياً غائراً وصدمة وجودية عميقة في الوعي الجمعي، ما جعل الأمنية الكبرى ومبتغى الآمال ينقلب بشكل دراماتيكي وموجع؛ فبعد أن كان الحلم يوماً هو "العودة والاستقرار واستصلاح أرض الوطن"، تحول اليوم إلى "الهجرة والهروب" نحو أي بقعة في هذا العالم الفسيح تمنح أطفالهم حقاً بسيطاً وطبيعياً في الأمان والتعليم والرعاية الصحية الأساسية البسيطة، لتصبح طوابير التنسيق للسفر والبحث المضني عن ممرات آمنة أو تأشيرات خروج هي المشهد السائد لجيل كامل بات يرى في الرحيل واللجوء طوق النجاة الوحيد والبديل الأخير من ويلات الموت والنسيان التي لم تبقِ من ذكريات طفولتهم وبيوتهم سوى الرماد والركام، لتلتقي هذه الأمنيات الحزينة بالهجرة والرحيل، في مفارقة مريرة تصهر القلوب ألماً، مع التهجير القسري الذي يمثل حلماً قديماً ومخططاً سياسياً وعسكرياً ممنهجاً يسعى لتحقيقه الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل الغاشمة، بهدف إفراغ الأرض من ساكنيها وأصحابها الحقيقيين وتحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة البشرية.