تاريخ النشر: 2026-10-21 | 15:46
تاريخ النشر: 2026-10-21 | 15:46
أثارت ندوة مركز "مسارات"، التي استضافت الرفيق بسام الصالحي، الأمين العام لحزب الشعب، نقاشا سياسيا مهما حول مآلات القضية الفلسطينية في ظل حرب الإبادة وتداعياتها، وما تفرضه من مراجعة لطبيعة الصراع وأدوات المواجهة وأزمة النظام السياسي الفلسطيني. وتكتسب أطروحة الصالحي أهميتها من محاولتها تجاوز اختزال المأزق في الانقسام والخلاف على شكل السلطة، نحو البحث في شروط استعادة المبادرة الوطنية، وتعزيز الصمود الجماعي، وبناء اقتصاد تعاوني تضامني، وإعادة تعريف الفعل المقاوم، وتشكيل كتلة سياسية واجتماعية تتجاوز التحالفات الفصائلية التقليدية.
تتقاطع هذه الرؤية مع الحاجة إلى الانتقال من إدارة الكارثة إلى مواجهة مشروع تصفية القضية والتهجير، ومن الاكتفاء بوصف صمود الفلسطينيين والتغني به إلى تحويله إلى قوة اجتماعية وسياسية ونضالية منظمة. لكنها تثير، في الوقت نفسه، أسئلة تتعلق بالفجوة بين سلامة التشخيص وإمكانات التطبيق، وبين عدالة الأهداف الوطنية وامتلاك القوة والأدوات القادرة على تحقيقها. ومن هذا المنطلق، فإن الحوار مع المبادرة ينبغي أن يتجاوز تأييد عناوينها العامة إلى اختبار شروط تحققها، وتطويرها بما يخدم بناء موقف وطني واقعي وثوري.
في ظل تزايد أطروحات "الخروج من المأزق" ورسم خرائط طرق وطرح مشروعات مواجهة الإبادة، تظل المعضلة الفلسطينية أعمق من مجرد البحث في ترتيبات اليوم التالي لحرب الإبادة التي لم تتوقف. إنها تتعلق بكيفية إعادة بناء إرادة وطنية موحدة وفاعلة، تحمي الوجود الفلسطيني على أرضه، وتواجه التهجير والاحلال والوصاية وإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي، وتربط الصمود اليومي بأفق التحرر الوطني، في ظل اختلال حاد في ميزان القوى، واستمرار العدوان الوحشي، وأزمة الثقة والتمثيل والقيادة، وتفكك قطاعات واسعة من البنى الاجتماعية والاقتصادية.
لقد كشفت حرب الإبادة حدود القدرات الفلسطينية الراهنة، كما كشفت عجز النظام السياسي عن توحيد القرار وتجديد شرعيته وتنظيم طاقات المجتمع. وفي المقابل، أثبت الفلسطينيون تمسكهم بأرضهم وهويتهم وقدرتهم على ابتكار أشكال من التكافل والتنظيم والصمود. غير أن الإرادة الشعبية والتضحيات الكبيرة لا تتحولان تلقائيا إلى إنجاز سياسي، مثلما لا يعوض اتساع التضامن الدولي غياب القيادة الفاعلة والمؤسسات القادرة على التأثير في موازين القوى.
وتتداخل هذه المعضلة مع تحولات إقليمية ودولية معقدة. فالتضامن الشعبي العالمي، والتحديات القانونية والأخلاقية التي تواجه إسرائيل، يفتحان فرصا ينبغي استثمارها، لكنهما لا يضمنان وحدهما تغيير سياسات الحكومات أو إنهاء الاحتلال أو حتى تغير سياساته. المطلوب رؤية فلسطينية مستقلة تتعامل مع هذه الفرص دون الارتهان لها، وتحول التضامن إلى ضغط سياسي وقانوني منظم، بدلا من التعامل معه بوصفه رصيدا أخلاقيا أو حقوقيا كافيا بذاته.
من صحة التشخيص إلى شروط الفعل
تطرح مبادرة الرفيق بسام أفكارا مهمة، لكن بناء استراتيجية قابلة للتحقق يتطلب تحديد الفاعل الذي يحملها، والموارد التي يستند إليها، والقيادة التي تنظمها، وآليات اتخاذ القرار والمساءلة. فالدعوة إلى تشكيل كتلة سياسية واجتماعية واسعة تظل معرضة للطابع الطوباوي في سياق معقد ودينامي. إن بناء كتلة فاعلة يحتاج إلى عملية سياسية واجتماعية تتدرج في استعادة الثقة، وتحدد المصالح المشتركة، وتدير الاختلافات، وتنتج برنامجا وآليات ملزمة للمشاركة والقرار والمساءلة. ولا يمكن إنجاز ذلك بمجرد جمع ميكانيكي أو رغبي متعجل لبعض الفصائل ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء، في إطار جديد، أو بإعلان قيادة إضافية فوق بنى مأزومة.
وينطبق الأمر ذاته على الاقتصاد التعاوني التضامني. فهو مدخل مهم لتعزيز التكافل، وحماية الفئات الأكثر تضررا، واستعادة بعض القدرة على الإنتاج وتقليص التبعية. لكنه لا يتحول بمجرد الدعوة إليه إلى بديل اقتصادي قادر على تجاوز السيطرة الإسرائيلية على الموارد والحركة والمعابر، أو معالجة تدمير الأصول الإنتاجية وفقدان فرص العمل والاعتماد على المساعدات. المطلوب بناء قدرات إنتاجية وتعاونية متاحة فعليا، مع موارد وشبكات تعاون وسياسات تحمي المنتجين والعاملين والمزارعين، من دون أن يتحول التدبير المحلي إلى إعفاء للاحتلال من مسؤوليته عن تدمير الاقتصاد وتعطيل تعافيه.
أما إعادة تعريف المقاومة، فتقتضي تجاوز الاستقطاب الفصائلي بشأن أشكالها، من دون افتراض أن جميع الوسائل متكاملة تلقائيا أو أن الخلاف حولها يمكن حسمه بالشعارات. ينبغي تقييم الخيارات النضالية وفق قدرتها على حماية الناس والأرض، وتأثيرها في تماسك المجتمع، وعلاقتها بالهدف الوطني، وتكاليفها والنتائج التي تحققها. وهذا يستدعي تطوير الكفاح الشعبي والنقابي والسياسي والقانوني والدبلوماسي، ومواجهة الاستيطان واعتداءات المستوطنين وفضح تواطؤ وتغطية حكومة اليمين المتطرف بهذا الخصوص، وتوسيع المقاطعة والمساءلة الدولية، وربط الفعل الميداني بأهداف سياسية واضحة. فالواقعية الثورية (لا إفراط ولا تفريط) لا تعني التخلي عن حق الشعب في مقاومة الاحتلال، بل رفض تحويل أي أداة إلى غاية مستقلة عن نتائجها.
وتحتاج مفاهيم أخرى، مثل "الدولة تحت الاحتلال"، إلى التقييم نفسه. فالمكانة القانونية والاعتراف الدولي يوفران أدوات يمكن توظيفها لتثبيت الحقوق وتوسيع التقاضي والمساءلة، لكن الاعتراف لا يساوي السيادة، والإعلان السياسي لا ينتج وحده دولة قادرة على حماية شعبها. وتتوقف قيمة هذا المسار على قدرته على إحداث تغيير ملموس في علاقة المؤسسات بالاحتلال والمجتمع، وعلى ربط المكانة القانونية بفعل سياسي وميداني ومؤسسي. كما أن تجديد الشرعية لا يمكن اختزاله في انتخابات مؤجلة إلى أجل غير محدد، ولا في إجراء انتخابي منفصل عن إصلاح منظمة التحرير وتوسيع التمثيل وإخضاع القرار للمساءلة.
بناء الحامل الوطني يبدأ من المجتمع
تكمن الحلقة الأضعف في معظم المبادرات والأطروحات في افتراض وجود حامل سياسي واجتماعي قادر على تنفيذها، بينما تعاني الحركة الوطنية من ضعف الفاعلية والانقسام، وتراجع الثقة بالأحزاب، واحتكار القرار، وتعطل التجديد الديمقراطي. ولا يمكن معالجة ذلك بمجرد إنشاء إطار جديد، أو باستدعاء مفهوم "الكتلة التاريخية" من دون توافر الشروط الاجتماعية والسياسية التي تسمح بذلك.
يمكن أن تبدأ عملية البناء من مستويين متكاملين. الأول هو دعم شبكات محلية للصمود والتعافي والتنظيم المجتمعي في مراكز الإيواء والأحياء والقرى والتجمعات المهددة، ترتبط بالبلديات والنقابات والتعاونيات والمؤسسات الأهلية، وتشارك في تحديد الاحتياجات وتنظيم المبادرات وحماية الموارد والملكية وتسوية النزاعات وتعزيز المساءلة، هذا ما يمكن أن نطلق عليه "استنهاض الارادة الشعبية". والثاني هو تطوير إطار سياسي وطني واسع (يعبر عن إرادة وطنية ويجسدها) يضم، إلى جانب الفصائل، القوى النقابية والمهنية والنسوية والشبابية والمجتمعية، ويعمل على بلورة برنامج مرحلي وتنسيق المواقف ومتابعة التنفيذ.
لكن الربط بين المستويين ليس تلقائيا؛ فهو يحتاج إلى قواعد واضحة للتمثيل واتخاذ القرار والمساءلة، تضمن استقلال المبادرات المجتمعية عن التنافس الفصائلي، وتمنع عزلها عن الأفق الوطني أو تحويل الإطار السياسي إلى واجهة بلا قدرة فعلية. يمكن اعتبار هذه العملية مدخلا لإعادة بناء منظمة التحرير وتجديد شرعيتها، لا بديلا دائما عنها أو عن الانتخابات.
وهنا تبرز مسؤولية حزب الشعب والقوى اليسارية والديمقراطية. فالمصداقية في الدعوة إلى تجديد الحركة الوطنية تتطلب مراجعة بناها التنظيمية وعلاقاتها بالمجتمع، وتجديد هياكلها ديمقراطيا، والانخراط في المبادرات الشعبية، وبناء صلات فعلية بالعمال والمزارعين والشباب والنساء وخصوصا بالنازحين والمتضررين من ممارسات الاحتلال. فالثقة لا تستعاد بالخطاب وحده، بل بالممارسة والمساءلة والقدرة على حل المشكلات وتحمل المسؤولية ونقد التجربة السابقة.
الواقعية الثورية واستعادة المبادرة
تقتضي الواقعية الثورية الجمع بين وضوح الهدف الوطني والتقدير الموضوعي لموازين القوى والقدرات والعقبات، واختيار الوسائل المناسبة والاستعداد لمراجعتها في ضوء النتائج. وهي ترفض التكيف مع الوقائع التي يفرضها الاحتلال، كما ترفض التمسك بشعارات لا تحسب شروط الفعل. فحماية السكان وتعزيز الصمود ليسا بديلين عن التحرر، والتحرر لا يتحقق من دون مجتمع قادر على البقاء والتنظيم والإنتاج والمشاركة في القرار.
ومن هنا، ينبغي أن يفضي الحوار الوطني إلى توافق مرحلي على حماية الوجود الفلسطيني ومواجهة التهجير والوصاية، وإلى تقييم نقدي للتجربة والخيارات السياسية والنضالية، ومسار واضح لإعادة بناء التمثيل الوطني، وبرنامج عمل يحدد المسؤوليات والموارد وآليات المتابعة والمساءلة. كما يجب ألا يظل الحوار محصورا في التفاهمات بين القيادات، بل أن يتيح للقوى الاجتماعية المتضررة المشاركة في تحديد الأولويات والتأثير في القرارات ومراقبة تنفيذها.
إن المأزق الفلسطيني الراهن ليس مجرد أزمة برنامج سياسي أو خلاف على شكل الدولة والقيادة؛ إنه مأزق في إعادة بناء الإرادة الوطنية وأدواتها، في ظل استمرار الحرب بأشكال مختلفة واختلال ميزان القوى. ولا يمكن تجاوزه بإعلان كتلة لا تتوافر شروطها، أو بإعادة تسمية المؤسسات دون تغيير وظائفها، أو بفصل حماية الحياة اليومية عن هدف التحرر الوطني.
المطلوب مسار تراكمي يربط حماية الوجود الفلسطيني بتجديد المشروع الوطني، والصمود بالتنظيم، والمجتمع بالقيادة، والعمل الشعبي والسياسي والقانوني والدبلوماسي بأهداف مشتركة. فمعيار نجاح الحوار الوطني ليس عدد القوى التي تشارك فيه أو توقع على وثيقته الختامية، بل قدرته على إنتاج إرادة مشتركة وتجديد فاعلية، أو بناء، حامل اجتماعي وسياسي قادر على الفعل، وتحويل الصمود من مجرد البقاء إلى قوة منظمة تفتح الطريق نحو الحرية وتقرير المصير.