حين يتحول الانقسام الداخلي إلى امتداد للحرب....
قد تهدم الحرب البيوت وتقتل الأحبة، لكن الانقسام الداخلي قد يفاقم آثارها، ويمدّد جراحها، ويحوّل المجتمع المنكوب إلى ساحة صراع جديدة. فحين تتسلل الشائعات والتشهير والتخوين إلى ما بعد القصف، لا تعود الحرب تستهدف الحجر وحده، بل تبدأ بتمزيق الثقة بين الناس. غزة لم تعش الحرب كأفراد متفرقين، بل عاشها شعب كامل معًا. هُدمت البيوت، ونزحت العائلات، وفقد الناس أحبتهم، وتقاسموا الخوف والجوع والانتظار، وتشاركوا أحزانهم في الخيام والملاجئ والشوارع. كان الألم واحدًا، وإن اختلفت تفاصيله. لكن المؤلم أن تتحول هذه المعاناة المشتركة، بعد كل ما حدث، إلى بيئة للصراع والتشهير والتخوين وتشويه الآخرين.
الحرب لا تدمر الحجر وحده، فقد تترك خلفها مجتمعًا مثقلًا بالخوف والغضب والصدمة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الشائعة والكلمة المحرضة أكثر خطورة، لأنها تستطيع أن تضرب الثقة بين الناس وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة.
ليس كل من نختلف معه عدوًا، وليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل اتهام يستحق التصديق.
ولهذا علينا أن نسأل قبل أن نصدق وننشر:
ما مصدر هذه المعلومة؟ هل عليها دليل؟ ومن المستفيد من نشرها؟ وهل ستزيد وعي الناس أم تزيد انقسامهم؟
هذه ليست أسئلة هامشية؛ إنها جزء من حماية المجتمع.
لا تسمحوا بتحويل الفلسطيني إلى عدو للفلسطيني
من حق الناس أن تختلف، وأن تنتقد، وأن تسأل، وأن تطالب بالمحاسبة. لكن الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى كراهية، والنقد لا يجب أن يتحول إلى تشهير، والمساءلة لا تعني إدانة الناس بلا دليل. إذا كان هناك خطأ، فليُناقش بالحجة. وإذا كان هناك فساد أو تجاوز، فليكن التعامل معه بالأدلة والقانون، لا بالإشاعات والاتهامات الجماعية. نحن بحاجة إلى اختلاف يبني، لا اختلاف يهدم.
إنقاذ غزة لا يكون بإعادة بناء البيوت فقط، بل بإعادة بناء الثقة بين أبنائها.
نحتاج إلى إنسان يعرف أن وسائل التواصل ليست مصدرًا للحقيقة لمجرد أن الخبر انتشر، وأن إعادة نشر الاتهامات قد تظلم إنسانًا وتعمق جرح مجتمع كامل.
نحتاج إلى جيل يتعلم أن يسأل ويفكر ويتحقق قبل أن يحكم. فالوعي لا يعني أن نتفق جميعًا، بل أن نختلف دون أن نفقد إنسانيتنا. بعد كل ما خسرناه، لا يجوز أن نخسر ما تبقى من نسيجنا الاجتماعي.
لقد هُدمت بيوت، فلا نهدم العلاقات.
لقد فقدنا أحبة، فلا نفقد الرحمة.
لقد عشنا الخوف معًا، فلا نسمح للخوف والغضب أن يحولا بعضنا إلى أعداء.
غزة اليوم تحتاج إلى الحقيقة أكثر من أي وقت مضى، وإلى الوعي أكثر من الشعارات، وإلى التضامن أكثر الاصطفاف.
فإذا كانت الحرب قد حاولت أن تهدم غزة من الخارج، فعلينا ألا نسمح للخلاف والكراهية أن تهدمها من الداخل.
إنقاذ الوطن يبدأ من إنقاذ الإنسان، وإنقاذ الإنسان يبدأ من وعيه.
#الوعي #بدل #الشائعات
#الوحدة #بدل #الانقسام
#الإنسانية #بدل #الكراهية
#الأمل #بدل #الاستسلام