نتقرب بعد أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية المقررة عقدها في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في ظل مشهد سياسي شديد التعقيد والحساسية في الكيان المحتلة، تتداخل فيه تداعيات حرب الإبادة الجماعية على غزة مع قضايا الأمن والاقتصاد والائتلافات الحزبية في الكيان، فيما يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه أمام اختبار سياسي جديد، لا يتعلق فقط بموقعه في رئاسة الحكومة، وإنما بمستقبل المعسكر الذي يقوده وقدرته على تشكيل ائتلاف حاكم بعد الانتخابات.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة كونها تأتي في ظل آثار سياسية وأمنية عميقة خلفتها أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحرب الإبادة الجماعية المستمرة على غزة والتي أصبحت حاضرة في النقاش الداخلي الإسرائيلي، سواء من خلال قضية المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، أو ملف الأسرى، أو مستقبل السياسة الأمنية والعسكرية، أو الجدل حول طريقة إدارة الحرب وتداعياتها، حيث تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى سباق متقارب بين الكتل الحزبية في الكيان ، مع بقاء أي معسكر دون أغلبية برلمانية واضحة من أصل 120 مقعدًا، الأمر الذي يجعل معركة تشكيل الائتلاف جزءًا أساسيًا من المعركة الانتخابية نفسها.
ويحاول نتنياهو، خلال حملته الانتخابية الحالية، إبقاء الأمن في صدارة الخطاب السياسي، مستفيدًا من استمرار التوترات الإقليمية ومن قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي بأن الملف الأمني يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد خيارات الناخبين. وفي المقابل، يواجه نتنياهو انتقادات داخلية تتعلق بإدارة ملفات الحرب على غزة وبالمسؤولية السياسية عن الإخفاقات التي سبقت السابع من أكتوبر، إلى جانب قضايا أخرى تتصل بإدارة مؤسسات الدولة وطبيعة العلاقة بين الحكومة والقضاء.
وفي الجانب الآخر، تبرز قوى سياسية منافسة في الكيان تسعى إلى تقديم خطاب مختلف في إدارة الدولة والأمن والعلاقات الداخلية، حيث يظهر غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، بوصفه أحد أبرز المنافسين في الخريطة الانتخابية الحالية، فيما تشير احدث استطلاعات الرأي إلى تقارب في حجم التأييد بين عدد من القوى الكبرى، مع اختلاف النتائج من استطلاع إلى آخر، وهذا التباين نفسه يعكس حالة السيولة السياسية التي تسبق الانتخابات، ويجعل من الصعب اختزال المشهد في مواجهة ثنائية بسيطة بين نتنياهو وخصومه.
وتظل غزة حاضرة في خلفية المشهد الانتخابي الإسرائيلي، حتى عندما تحاول الأحزاب نقل النقاش إلى القضايا الداخلية. فقد تركت الحرب في غزة تأثيرًا مباشرًا على المؤسسة العسكرية والمجتمع والاقتصاد، كما أعادت ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية، بينما أصبح مستقبل قطاع غزة والعلاقة مع الفلسطينيين جزءًا من الأسئلة التي تواجه الحكومة المقبلة، وتشير تحليلات سياسية إلى أن القضية الفلسطينية باتت أقل حضورًا في برامج عدد من الأحزاب الإسرائيلية مقارنة بقضايا الأمن والحكم والمؤسسات، رغم أن تداعيات الحرب في غزة تظل مؤثرة في الحياة السياسية.
وفي تطور انتخابي الإسرائيلية الحالية، أعادت ما تسمى المحكمة العليا الإسرائيلية القائمتين العربيتين الرئيسيتين إلى السباق الانتخابي، بعد أن كانت لجنة الانتخابات المركزية قد قررت استبعادهما، كما أُعيد المرشح عوفر كسيف إلى المنافسة، بينما انسحب سامي أبو شحادة من السباق بعد أن أشارت المحكمة إلى ميلها لاستبعاده،ويمنح هذا التطور الأحزاب العربية فرصة للمشاركة في الانتخابات، كما يجعل أصواتها عاملًا حاضرًا في الحسابات البرلمانية، خصوصًا في ظل تقارب أعداد المقاعد المتوقعة بين الكتل المتنافسة، وهنا تبرز أهمية الائتلافات؛ خاصة إن الانتخابات الإسرائيلية لا تنتهي بمجرد إعلان النتائج، وإنما تبدأ بعدها معركة أخرى لتشكيل حكومة قادرة على الحصول على ثقة الكنيست، مع عدم ظهور أغلبية واضحة في الاستطلاعات الحالية، تصبح الأحزاب الصغيرة والقوى الدينية والأحزاب العربية، بحسب مواقفها وخياراتها، جزءًا من الحسابات السياسية المعقدة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
ان الاختبار الحقيقي الذي يواجهه نتنياهو لا ينحصر في عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها حزبه، بل يمتد إلى قدرته على الحفاظ على تماسك المعسكر اليميني الذي يقوده، والقدرة على التعامل مع الملفات الأمنية والسياسية التي أفرزتها سنوات الحرب، وفي مقدمتها غزة، إلى جانب علاقته بالأحزاب الدينية واليمينية وشروط الشركاء المحتملين في أي حكومة جديدة.
ونحن على أبواب الانتخابات الإسرائيلية يبدو المشهد الإسرائيلي مفتوحًا على خريطة حزبية متحركة، حيث تتقاطع حسابات الأمن مع تداعيات غزة، وتتداخل قضايا الداخل مع مستقبل الائتلافات، ومن ثم، فإن انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر لا تبدو مجرد تنافس انتخابي دوري، بل محطة سياسية ستكشف اتجاهات المجتمع الإسرائيلي بعد سنوات من الحرب على غزة وعلى جبهات أخرى بل وستحدد شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة وطبيعة سياساتها تجاه قضايا الأمن وغزة والقضية الفلسطينية.
ويبقى السؤال الأهم مع اقتراب يوم الاقتراع: كيف ستترجم هذه الانقسامات الكيان إلى مقاعد في الكنيست، وهل تستطيع الكتل المتنافسة بناء ائتلاف مستقر، أم تدخل إسرائيل مجددًا في مرحلة من المفاوضات السياسية الصعبة حول تشكيل الحكومة؟ الإجابة ستتضح مع نتائج الصناديق، لكن المؤكد أن غزة والأمن والائتلافات ستظل حاضرة بقوة في حسابات المرحلة المقبلة.