تاريخ النشر: 2026-09-22 | 14:31
تاريخ النشر: 2026-09-22 | 14:31
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، أعادت واشنطن رسم سياستها تجاه إيران على أساس الضغط الأقصى، ومنع امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وتقليص قدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية. وقد نصت مذكرة الأمن القومي الأمريكية الصادرة في فبراير/شباط 2025 صراحة على هذه الأهداف، وقد عملت ادارة ترامب على الجمع بين عدة استراتيجيات في السياسة الاخراجية الامريكية في التعاطي مع الملف الايراني من المدرسة "الجيفرسونية الى الهلملتونية الى الجاكسونية الى الويلسونية"، ولكنها ركزت في الاساس على الجاكسونية.
الجاكسونية في مواجهة إيران: القوة أولاً
فالمنطق الجاكسوني يقوم على أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تسمح لخصم استراتيجي بفرض معادلات تمس أمنها أو مصالحها الحيوية، وأن التهديدات الكبرى تحتاج إلى ردع قوي، وأن استخدام القوة يصبح خياراً مطروحاً عندما تفشل أدوات الضغط الأخرى.
وهذا المنطق يظهر في السياسة الأمريكية تجاه البرنامج النووي الإيراني. فواشنطن لم تكتفِ بالمفاوضات أو العقوبات، بل ربطت الضغط الاقتصادي بالتهديد باستخدام القوة. وفي 2025 أكدت إدارة ترامب بصورة متكررة أن إيران لا يمكن أن تحصل على سلاح نووي، قبل أن تنتقل المواجهة إلى مستوى عسكري مباشر ضد المنشآت النووية الإيرانية.
وهنا تتضح إحدى أهم سمات المقاربة الجاكسونية القوة ليست بالضرورة هدفاً في ذاتها، وإنما أداة لفرض معادلة ردع جديدة.بمعنى آخر، الرسالة الأمريكية لم تكن فقط: نريد اتفاقاً مع إيران، بل نريد اتفاقاً، لكن قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة هي التي تحدد شروط التفاوض.
الهاملتونية: العقوبات كسلاح جيوسياسي
لكن اختزال السياسة الأمريكية تجاه إيران في المدرسة الجاكسونية وحدها سيكون ناقصاً، فالجانب الاقتصادي من الاستراتيجية الأمريكية يعكس بوضوح التقليد الهاملتوني، أي الاعتقاد بأن القوة الاقتصادية والمالية يمكن أن تتحول إلى قوة استراتيجية ، ومنذ انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي عام 2018، أصبحت العقوبات إحدى أهم أدوات واشنطن لإضعاف قدرة إيران على تمويل برنامجها النووي وشبكاتها الإقليمية. وفي المرحلة الثانية من ترامب، جرى إحياء هذه السياسة من خلال حملة "الضغط الأقصى"، مع استهداف صادرات النفط والإيرادات والقطاعات المالية والنقل والشحن.
وهنا يتحول الدولار، والنظام المالي، والطاقة، والتجارة العالمية إلى أدوات في السياسة الخارجية، فواشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى الدخول في حرب شاملة حتى تفرض كلفة على إيران؛ تستطيع استخدام موقعها داخل النظام المالي العالمي لرفع تكلفة السلوك الإيراني.
وهذا هو الجانب الهاملتوني في الاستراتيجية: إضعاف قدرة الخصم الاقتصادية من أجل تقليص قدرته الاستراتيجية، فمن هذه الزاوية، فإن "الضغط الأقصى" ليس مجرد عقوبات اقتصادية، بل محاولة لتحويل التفوق الاقتصادي الأمريكي إلى نفوذ سياسي وأمني. فعلي الرغم من قوة هذين البعدين، فإن السياسة الأمريكية تجاه إيران تحمل أيضاً بعداً ويلسونياً، فواشنطن لا تقدم القضية الإيرانية باعتبارها مجرد صراع على النفوذ في الشرق الأوسط، وإنما تربطها بقضايا مثل منع الانتشار النووي، والأمن الدولي، والالتزامات المتعلقة بالبرنامج النووي، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد استخدمت الإدارات الأمريكية المختلفة المؤسسات الدولية والعقوبات متعددة الأطراف والآليات المرتبطة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في التعامل مع الملف النووي الإيراني. كما أن الاتفاق النووي لعام 2015 نفسه كان تعبيراً واضحاً عن محاولة إدارة المشكلة من خلال المفاوضات والرقابة الدولية والمؤسسات، ولكن الفارق الجوهري في عهد ترامب هو أن البعد الويلسوني لم يعد هو المحرك الرئيسي للاستراتيجية؛ بل أصبح أقرب إلى إطار شرعي ودبلوماسي يرافق سياسة الضغط والقوة.
ماذا بقي من المدرسة الجيفرسونية؟
الحضور الجيفرسوني في السياسة الإيرانية الأمريكية أقل وضوحاً، لكنه ليس غائباً، فالمدرسة الجيفرسونية تنطلق من أولوية حماية الولايات المتحدة وتقليل الانخراط في حروب خارجية مكلفة. وهذه الفكرة تساعد على تفسير سبب تفضيل واشنطن لفترات طويلة العقوبات والضغط الاقتصادي والردع والعمليات المحدودة والمفاوضات على الاحتلال العسكري أو الحرب البرية الشاملة.
بمعنى آخر، قد تستخدم الولايات المتحدة قوة هائلة، لكنها لا تريد بالضرورة أن تتحول هذه القوة إلى التزام عسكري مفتوح وغير محدد زمنياً، وهنا يظهر التداخل بين الجيفرسونية والجاكسونية: جاكسونية في الردع واستخدام القوة، وجيفرسونية في تجنب التورط العسكري طويل الأمد، وهذه نقطة مهمة لفهم طبيعة الاستراتيجية الأمريكية.
التحول الحاسم: من تغيير السلوك إلى تغيير المعادلة
يمكن ملاحظة تحول مهم في السياسة الأمريكية تجاه إيران، ففي بعض مراحل السياسة الأمريكية السابقة كان الهدف المعلن هو تغيير سلوك إيران من خلال التفاوض والاتفاقات والرقابة. وفي إدارة بايدن مثلاً، حاولت واشنطن العودة إلى الامتثال المتبادل للاتفاق النووي واستخدام الدبلوماسية كوسيلة لمعالجة الملف النووي، أما استراتيجية ترامب القائمة على الضغط الأقصى، فتقوم على منطق مختلف: رفع تكلفة الوضع القائم إلى درجة تدفع طهران إلى قبول شروط أكثر صرامة.
وهذا يعني أن واشنطن لا تتعامل مع الملف النووي باعتباره ملفاً منفصلاً، وإنما تربطه بمجموعة أوسع من الملفات:البرنامج النووي، الصواريخ، النشاط الإقليمي الإيراني، شبكات الحلفاء والوكلاء، مصادر التمويل، أأمن الملاحة والطاقة ، قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها الاستراتيجية. وبالتالي أصبحت المعادلة الأمريكية أقرب إلى:ضغط اقتصادي ، عزل دبلوماسي ، ردع عسكري ، تهديد بالقوة ، تفاوض مشروط.
من الضغط إلى القوة العسكرية
بلغ هذا المنطق مرحلة أكثر وضوحاً في 2025، عندما انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الضغط والردع إلى استخدام القوة ضد المنشآت النووية الإيرانية.
وتصف الإدارة الأمريكية عملية مطرقة منتصف الليل (Operation Midnight Hammer) بأنها عملية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية وألحقت أضراراً كبيرة ببرنامج التخصيب. كما ربطت الإدارة بين العملية وبين هدفها المعلن المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي
وهنا يمكن القول إن الجاكسونية أصبحت هي الأداة الحاسمة، بينما وفرت الهاملتونية أدوات الضغط السابقة عليها، ووفر الإطار الويلسوني مبررات مرتبطة بمنع الانتشار والأمن الدولي.
المدرسة التي حكمت التعاطي الأمريكي مع إيران
ان استخدام سياسة الضغط الأقصى واستخدام القوة تشير إلى أن الجاكسونية هي العنصر الأكثر بروزاً، مع دعم هاملتوني قوي. فالولايات المتحدة لا تستخدم القوة العسكرية بمعزل عن الاقتصاد، ولا تستخدم العقوبات بمعزل عن الردع العسكري. بل يجري دمج الأداتين ضمن استراتيجية واحدة تقوم على إنتاج أكبر قدر ممكن من الضغط على إيران مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
إن التعاطي الأمريكي مع إيران يكشف أن المدارس الأربع ليست بدائل متصارعة بصورة مطلقة، بل أدوات استراتيجية يمكن للإدارة الأمريكية أن تجمع بينها وفقاً للظرف.
لكن في الحالة الإيرانية، يبدو أن المعادلة الأساسية أصبحت:السلام من خلال القوة، والضغط الاقتصادي لخفض قدرة الخصم، والقوة العسكرية لمنع تجاوز الخطوط الحمراء، والتفاوض للحصول على تنازلات استراتيجية.
وبذلك لم تعد واشنطن تتعامل مع إيران باعتبارها مجرد قضية نووية، وإنما باعتبارها اختباراً لموقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولمصداقية الردع الأمريكي، ولقدرة واشنطن على استخدام قوتها الاقتصادية والعسكرية معاً لإعادة تشكيل سلوك خصم إقليمي كبير.