الأحزاب الصهيونية تقوم بتدمير واقع منذ عام 1948 لفرض واقع يتوافق وسلوك الإبادة والتطهير العرقي

واشنطن وتل أبيب: من العرج الانتخابي إلى شراكة استراتيجية جديدة... أين دول المنطقة؟

واشنطن وتل أبيب: من العرج الانتخابي إلى شراكة استراتيجية جديدة... أين دول المنطقة؟

تاريخ النشر: 2026-11-05 | 14:33

عائد زقوت
عائد زقوت

أليس غريبًا استمرار القنوات الإعلامية العربية في تغطية الانتخابات النصفية الأميركية باعتبارها من أهم الانتخابات في تاريخ الولايات المتحدة؟ فالمتابع لهذه التغطيات قد يتصور أنّ مصير الحرب مع إيران ومستقبل الشرق الأوسط سيتحددان بنتائجها، بينما يغيب عن الاهتمام تحول استراتيجي أميركي أكثر أهمية، يتعلق بإعادة صياغة العلاقة العسكرية مع إسرائيل، وما قد يترتب عليه من نقلة نوعية في قدرات الجيش الإسرائيلي وصناعاته الأمنية والعسكرية.

يبدو المشهد الانتخابي أعرج على جانبي العلاقة الأميركية الإسرائيلية؛ ففي إسرائيل، أفرزت نتائج الانتخابات مشهدًا سياسيًا مأزومًا لم يحسم معادلة الحكم، وفي الولايات المتحدة، جاءت نتائج الانتخابات النصفية لتضع ترامب أمام واقع سياسي مختلف، بعد فقدان حزبه السيطرة على مجلسي الكونغرس. لكن هذا التعثر الانتخابي على جانبي العلاقة لا يعني بالضرورة تعثر التوجهات الاستراتيجية أو توقف مسارات إعادة تشكيل ميزان القوى.

فإعلان ترامب عزمه وقف المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة لإسرائيل، التي تبلغ قيمتها نحو أربعة مليارات دولار سنويًا، لا ينبغي قراءته باعتباره ضربة لإسرائيل أو تراجعًا في الدعم الأميركي لها؛ بل قد يكون مدخلًا إلى تطور نوعي في طبيعة العلاقة العسكرية بين البلدين، وانتقالها من نموذج المساعدات إلى نموذج الشراكة في تطوير التكنولوجيا والصناعات الدفاعية. وهذه، إذا مضت في اتجاهها، قد تكون من أهم التحولات الاستراتيجية في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال العقود الأخيرة.

لفهم هذه المفارقة، لا بد من التمييز بين ما تفرزه الانتخابات الأميركية من تحولات في موازين القوى السياسية الداخلية، وما تملكه فعليًا من قدرة على تغيير الاستراتيجيات الأميركية بعيدة المدى. فالانتخابات النصفية، على أهميتها، لا تعني بالضرورة تغييرًا في توجهات السياسة الخارجية، كما أنّ إضعاف الرئيس داخليًا لا يعني بالضرورة تقييد قدرته على إدارة الملفات العسكرية والاستراتيجية. ومن هنا، يصبح من الضروري تفكيك ثلاثة مستويات متداخلة: حدود تأثير الانتخابات في قرار الحرب على إيران، وطبيعة الصراع الداخلي الأميركي ومستقبل ترامب، ثم التحول الأعمق في طبيعة الشراكة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب.

الانتخابات النصفية وحدود التأثير

الانتخابات النصفية ليست انتخابات رئاسية. فأميركا نظامها الرئاسي يختلف عن الأنظمة البرلمانية؛ إذ لا يفقد الرئيس منصبه إذا خسر حزبه الأغلبية في الكونغرس، وتبقى لديه صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة.

صحيح أنّ الدستور الأميركي يمنح الكونغرس صلاحية إعلان الحرب، لكن منذ الحرب العالمية الثانية خاضت الولايات المتحدة حروبًا وعمليات عسكرية عديدة من دون إعلان حرب رسمي، وإنما استنادًا إلى تفويضات باستخدام القوة العسكرية صادرة عن الكونغرس، كما حدث في أفغانستان والعراق.

لذلك، فإنّ خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة أنّ ترامب سيتوقف عن العمليات العسكرية ضد إيران. وصحيح أيضًا أنّ الكونغرس يستطيع ممارسة الضغط من خلال التمويل والرقابة والتشريعات، لكن تغيير السياسة العسكرية الأميركية ليس بهذه البساطة.

كما أنّ خسارة الحزب الذي يحكم البيت الأبيض في الانتخابات النصفية تكاد تكون هي القاعدة، وليست الاستثناء. فبالعادة، يخسر الحزب الحاكم مقاعد في مجلس النواب خلال هذه الانتخابات؛ ففي عام 2010، عندما كان أوباما رئيسًا، كسب الجمهوريون ثلاثة وستين مقعدًا إضافيًا في مجلس النواب. وفي عام 2018، خلال الولاية الأولى لترامب، كسب الديمقراطيون واحدًا وأربعين مقعدًا. وفي عام 2022، عندما كان بايدن رئيسًا، استعاد الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب.

وبالطبع، هناك استثناءات؛ ففي عام 1998 حقق الديمقراطيون مكاسب في عهد كلينتون، وفي عام 2002 كسب الجمهوريون ثمانية مقاعد إضافية في عهد جورج بوش الابن، في ظروف استثنائية أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ثم إنّ تاريخ ما يُسمّى بمرحلة "البطة العرجاء" لم يُظهر، منذ الحرب العالمية الثانية، أنها شكّلت عائقًا حاسمًا أمام استمرار إنفاذ السياسات الأميركية الخارجية، بأبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ بل قد يزداد توجه الرؤساء خلالها إلى السياسة الخارجية لتحقيق إنجازات ذات أثر تاريخي، مستفيدين من هامش الاستقلال التنفيذي الأوسع الذي تتيحه لهم، وإن كانت هذه المرحلة قد تفرض أحيانًا قيودًا على قدرتهم على ترسيخ قراراتهم وضمان استمراريتها.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تأتي هذه التقلبات في الانتخابات النصفية في إطار تناغم سياسي تديره الدولة العميقة بين قطبي الحكم، أم أنها تعكس طبيعة الانتخابات النصفية التي تشكّل غالبًا فرصة للناخب الأميركي للتعبير عن عدم رضاه عن الإدارة الحالية، وممارسة نوع من المراجعة السياسية لأداء الحزب الحاكم؟
وعليه، فإنّ خسارة الجمهوريين وحركة ماغا في الانتخابات الحالية تمثل انتكاسة سياسية كبيرة، تمثلت في فقدان السيطرة على مجلسي الكونغرس، وتنقل ترامب إلى وضع يُعرف سياسيًا بـ"البطة العرجاء"، لكنها لا تعني سقوطه أو فقدانه صلاحياته الدستورية، أو انتهاء قدرته على التأثير في السياسة الأميركية والدولية.

إيران: التفوق العسكري ومأزق اليوم التالي

المشكلة الأكبر في الحرب مع إيران ليست قدرة الولايات المتحدة على تدمير أهداف عسكرية، وإنما ماذا بعد اليوم التالي للحرب؟ لا أعتقد أنّ أحدًا يشك في التفوق العسكري الأميركي، لكن التفوق العسكري شيء، وتحقيق نتيجة سياسية مستقرة شيء آخر تمامًا.

السؤال ليس فقط: هل تستطيع أميركا ضرب إيران وتدمير قدراتها العسكرية؟ بل هل تستطيع تحقيق الهدف النهائي من الحرب؟ وكيف يمكن معرفة أنّ الحرب انتهت بنجاح؟ وإذا انهار النظام الإيراني، فما البديل؟ هل ستتم عملية انتقال سياسي منظمة؟ أم أننا قد نشهد إدارة حرب أهلية، وصراعات قومية وطائفية، وموجات لجوء واسعة؟

وما موقف دول الجوار؟ فتركيا، مثلًا، لديها تاريخ طويل في استقبال اللاجئين، وأي انهيار واسع في إيران قد يخلق أزمة جديدة على حدودها. والأمر نفسه ينطبق على دول الخليج التي لا تخشى مخاطر الهجرة فحسب، بل تخشى أيضًا تراجع النمو الاقتصادي واضطراب التجارة والاستثمار، بما قد يؤثر سلبًا في رؤاها الطموحة للتحول إلى مراكز عالمية للتجارة والمال، ولا سيما السعودية والإمارات.

هذه الدول ليس من الضروري أنها تساند النظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تخشى عواقب انهيار دولة بحجم إيران، خصوصًا إذا لم تكن هناك رؤية واضحة لليوم التالي.

وتكتسب الحرب بين أميركا وإيران أهمية إضافية لأنها ليست حربًا متكافئة، لا من حيث القوة العسكرية، ولا حجم الخسائر، ولا حتى تعريف النصر والهزيمة؛ فأميركا تمتلك اقتصادًا ضخمًا ومؤسسات راسخة وقدرات عسكرية هائلة، في المقابل، يعاني الاقتصاد الإيراني أصلًا من سنوات طويلة من العقوبات والأزمات، وقد زادت الحرب من معاناته.

وهنا تبرز نقطة مهمة في إدارة الحرب؛ فالنظام الإيراني قد يتعرض لخسائر عسكرية واقتصادية هائلة، ثم يخرج أمام جمهوره ليقول إنه انتصر لأنه بقي وصمد. بينما قد يرى المواطن الأميركي ارتفاع أسعار البنزين، وإنفاق أموال طائلة على حرب لا يعرف هدفها النهائي، فيتساءل: ماذا استفدنا؟

ولهذا يستطيع الطرفان تعريف النصر بطريقتين مختلفتين تمامًا. فالولايات المتحدة تقيس النصر بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي دخلت الحرب من أجلها، بينما يستطيع النظام الإيراني أن يعتبر مجرد بقائه واستمرار قدرته على الحكم انتصارًا، حتى بعد خسائر فادحة.

وهذه إحدى المفارقات التي تجعل القرار الأميركي بشأن الحرب ليس قرارًا عسكريًا محضًا؛ فالسياسة الأميركية لا تعمل بهذه البساطة، والحروب لا تنتهي دائمًا بالطريقة نفسها التي تبدأ بها.

دوغين وقلق التحول الليبرالي

من الطبيعي تفهّم تحليل المفكر الاستراتيجي الروسي ألكسندر دوغين بشأن الانتخابات الأميركية ومستقبل ترامب والنظام العالمي، إذا وضعناه في سياق موقعه بوصفه خصمًا أيديولوجيًا وسياسيًا للولايات المتحدة، وصاحب رؤية مناهضة للهيمنة الليبرالية الغربية.

فبعد خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية وفقدانهم السيطرة على مجلسي الكونغرس، يرى دوغين في سقوط ترامب السياسي المحتمل مقدمة لقيام ديكتاتورية ليبرالية حقيقية، وأنّ انتقام الديمقراطيين من ترامب وأنصاره لن يشبه أي شيء رأيناه من قبل، بالنظر إلى حالة الرعب التي عاشوها عندما أنشأ إيلون ماسك هيئة الكفاءة الحكومية، وبدأ بتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID).

وقد ذهب دوغين إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ عزل ترامب ليس أمرًا مستبعدًا على الإطلاق، بما قد يمهد الطريق لنشوب حرب أهلية أميركية، بالنظر إلى حجم الاستقطاب الشديد في المجتمع. ولذلك يعتقد أنّ الأوضاع ستسخن وتلتهب كثيرًا في الولايات المتحدة.

وبصرف النظر عن مدى واقعية هذه التوقعات، فإنّ أهميتها تكمن في أنها تعكس قراءة أيديولوجية روسية للصراع الداخلي الأميركي، ولما قد يترتب عليه من تحولات في بنية النظام العالمي.

ترامب وإعادة إنتاج الهيمنة

يجب ألّا يغيب عن أذهاننا أنّ ترامب ليس سوى ممثل للقوى الإمبريالية التي تعمل خلف الكواليس، لكنه ليس بالضرورة أداة طيّعة في يدها. فهو يحمل في شخصيته تناقضات كثيرة، ويصطدم ببعض مراكز النفوذ التقليدية، ويهاجم بعض أسوأ تجليات المنظومة التي يمثلها، لكنه لا يستطيع في نهاية المطاف الخروج من إطارها أو تجاوز المصالح الاستراتيجية التي تقوم عليها.

فترامب لا يمثل نقيض الإمبريالية الأميركية، وإنما يسعى إلى إعادة صياغة أدواتها وشروط ممارستها، في ظل عالم تتراجع فيه قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالوسائل التقليدية.

ومع ذلك، فهو بالتحديد الشخص الذي يحول دون انزلاق العالم نحو الانهيار في الوقت الحالي. فالعالم لا يزال يستند في جانب من توازناته إلى موقع الولايات المتحدة ودورها، وإلى قدرة ترامب على المناورة بين القوى الدولية المتنافسة.

إلا أنّ تناقضات شخصيته وسياساته تجعل الوضع شديد التوتر والخطورة، ليس على الأوروبيين والأميركيين فحسب، بل على روسيا نفسها أيضًا.

إسرائيل: من المساعدات إلى الشراكة الاستراتيجية
جاء إعلان ترامب عزمه وقف المساعدات العسكرية الأميركية السنوية المباشرة لإسرائيل، التي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار، بحلول نهاية العام، بحسب ما صرّح به في سياق تفاهم قال إنه توصل إليه مع نتنياهو. ولا يمثل هذا التوجه خروجًا عن مسار إسرائيلي سابق؛ فقد طالب نتنياهو، في أكثر من مناسبة، بإعادة تنظيم المساعدات العسكرية، والتوجه نحو توطين صناعة السلاح الأميركي في إسرائيل، والتصنيع المشترك، وإنهاء الاعتماد على المساعدات المباشرة تدريجيًا.

 وفي هذا السياق، بدأ البلدان بالفعل، في مايو 2026، مفاوضات رسمية لوضع إطار جديد للتعاون الأمني، يقوم على توسيع الاستثمار المشترك في البحث والتطوير والإنتاج، والانتقال التدريجي من نموذج المساعدات إلى نموذج الشراكة المتبادلة. غير أنّ آليات تنفيذ إعلان ترامب لم تتضح بعد، خصوصًا أنّ مذكرة التفاهم القائمة بين البلدين تمتد حتى سبتمبر 2028، مع إبداء مسؤولين إسرائيليين مفاجأتهم بالإعلان.

وبلا مبالغة، أتصور أنّ هذا التوجه يمثل الخطوة الاستراتيجية الأذكى إسرائيليًا، والأخطر على منطقتنا في العقد الأخير، إذا نجحت إسرائيل في تحويله إلى واقع صناعي وتكنولوجي.

فالتحول الحقيقي هو الانتقال من المساعدات العسكرية النقدية والتسليحية المبرمجة، إلى مشاريع وصناديق بحث وتطوير وتصنيع مشترك بين أميركا وإسرائيل، بمبالغ قد تتجاوز قيمة التمويل العسكري السنوي الحالي بأضعاف، وَفق تقديرات وتصورات تداولها المعلقون الإسرائيليون.

ومع ذلك، فإنّ هذا التحول ليس مسارًا محسومًا؛ فقد يتجه نحو شراكة استراتيجية متقدمة تحقق تكاملًا صناعيًا وتكنولوجيًا أعمق بين البلدين، أو يظل محصورًا في قطاعات عسكرية وتقنية محددة، أو يتعثر بفعل الخلافات السياسية والاعتبارات المالية والصناعية، بما يفضي إلى صيغة وسط تجمع بين المساعدات والتعاون المشترك. لكن هذه الاحتمالات، على اختلافها، لا تلغي دلالة التحول في حد ذاته، من علاقة تقوم أساسًا على التمويل والتسليح إلى علاقة تتجه نحو الشراكة في إنتاج أدوات القوة وتطويرها.

وبهذا، تتوقف إسرائيل تدريجيًا عن كونها دولة مدعومة بالمساعدات، كما هي حال معظم دول المنطقة التي تتلقى هبات أميركية بشروط سياسية وعسكرية مقيِّدة، وأحيانًا مهينة، وتتحول إلى شريك في تطوير وإنتاج بعض أكثر المشاريع العسكرية تقدمًا في العالم؛ من تقنيات الليزر عالي الطاقة، والذكاء الاصطناعي، إلى منظومات الدفاع الصاروخي مثل "حيتس" و"مقلاع داود"، وغيرها من التقنيات المتقدمة. وهذا كله قد يكتسب زخمًا أكبر في ظل التحول الجديد.

والأهم من ذلك ليس مجرد خلق جيل جديد من التكنولوجيا العسكرية لصالح إسرائيل وأميركا معًا، وإنما التحول الدراماتيكي في طبيعة العلاقة بينهما؛ فهذه الشراكة لا يمكن أن تترك إسرائيل معلقة بأميركا عسكريًا بالطريقة التقليدية نفسها، بل قد تمنحها استقلالية إنتاجية وتكنولوجية أكبر، وتضمن لها الحفاظ على تفوقها العسكري، وتعزز قدرتها على التأثير في تسليح الدول التي تعتمد على السلاح الأميركي.

ولعل الطموح الإسرائيلي الأبعد من ذلك هو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الأميركيون أنفسهم معتمدين على التكنولوجيا والعقل الإسرائيلي، بما قد ينقل إسرائيل من لاعب إقليمي إلى لاعب دولي رئيس، لا يكتفي باستهلاك التكنولوجيا العسكرية الأميركية، بل يشارك في إنتاجها وتطويرها والتأثير في اتجاهاتها.

وهنا لا نتحدث عن مجرد تغيير في آليات التمويل العسكري، بل عن إعادة توزيع الأدوار داخل الشراكة الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، وعن محاولة إسرائيل الانتقال من موقع المستفيد من التفوق الأميركي إلى موقع الشريك في صناعته.

قد تنشغل المنطقة بنتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وبما إذا كان ترامب سيخرج منها أقوى أو أضعف، وقد تنشغل أيضًا بتداعيات الحرب مع إيران واحتمالات استمرارها أو توقفها. لكن ما يستحق الانتباه أكثر هو التحولات الاستراتيجية التي تجري بعيدًا عن ضجيج الانتخابات، والتي قد تعيد رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

فإذا نجحت إسرائيل في التحول إلى شريك أساسي في إنتاج التكنولوجيا العسكرية الأميركية وتطويرها، فإنّ التداعيات لن تقتصر على تعزيز تفوقها العسكري، بل ستمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، وتوسيع الفجوة التكنولوجية بينها وبين دول المنطقة، وتعزيز قدرتها على التأثير في منظومات التسليح والتحالفات العسكرية المحيطة بها.

وهذا يضع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج ومصر، أمام معادلة استراتيجية جديدة. فهذه الدول لن تستطيع تجاهل التحول في طبيعة القوة الإسرائيلية، أو الاكتفاء بالتعويل على علاقاتها التقليدية بواشنطن لضمان توازن القوى. وقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم سياساتها الدفاعية، وتسريع برامج توطين الصناعات العسكرية، وتوسيع التعاون التكنولوجي والعسكري البيني، إلى جانب تنويع مصادر التسليح وعدم الارتهان لمصدر واحد، ومواجهة العوائق بمختلف أشكالها التي قد تعترض توجهاتهم.

ولا يقتصر صدى هذا التحول عند الدول العربية فقط، إنما سيصل صداه إلى كل من تركيا وإيران بوصفهما قوى إقليمية مؤثرة. 
أمّا تركيا، فإن موقعها في المعادلة الاستراتيجية المقبلة يختلف عن موقع إيران؛ فهي عضو في حلف الناتو، وتمتلك ثقلًا عسكريًا وجغرافيًا يجعلها شريكًا رئيسًا لواشنطن في إدارة ملفات الصراع، الممتدة من غزة إلى سوريا والعراق وليبيا وأوكرانيا، وإن احتفظت بهامش من الاستقلال في تحديد مصالحها وأولوياتها. ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن تتجه واشنطن إلى بناء مشروع تعاون دفاعي وتكنولوجي موازٍ معها، وإن كان أقل امتيازًا وعمقًا من شراكتها مع إسرائيل، خصوصًا أنّ تركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متنامية، رغم ما يعتري علاقاتها مع تل أبيب من تنافس وتباينات إقليمية.

وأمّا إيران، فإنها تخوض مواجهة قاسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تتجاوز استهداف قدراتها العسكرية إلى الضغط من أجل تغيير النظام وإنهاء دوره بصيغته الحالية في المعادلة الإقليمية. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أمام مسارين محتملين: قيام نظام جديد يندمج في المنظومة الإقليمية تحت الرعاية الأميركية، أو انزلاق البلاد إلى صراعات طائفية ومذهبية قد تشعل المنطقة لسنوات. وفي كلا الحالين، ستواجه إيران صعوبة كبيرة في موازنة التفوق العسكري والتكنولوجي الأميركي الإسرائيلي؛ فحتى إذا ثبت اتساع المساعدات الروسية والصينية، فإنها قد تساعد طهران على ترميم بعض قدراتها، لكنها لن تتيح لها مجاراة ذلك التفوق.

لكن التحدي الأكبر أمام الدول العربية لا يكمن فقط في امتلاك السلاح أو تنويع مصادره، بل في القدرة على بناء رؤية أمنية إقليمية مشتركة، وتطوير قاعدة علمية وصناعية تتيح لها المشاركة في إنتاج التكنولوجيا العسكرية، بدلًا من البقاء في موقع المستهلك لها. فالتفوق في المرحلة المقبلة لن تحدده كمية الأسلحة وحدها، بل القدرة على تطويرها والتحكم في تقنياتها وسلاسل إنتاجها.

قد تخسر إسرائيل المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة، لكنها قد تربح علاقة أكثر عمقًا من علاقة المانح بالمتلقي؛ علاقة الشريك الذي يشارك في تطوير أدوات القوة وصناعتها.

وهنا لا يكون السؤال كم مليار دولار ستتوقف واشنطن عن دفعها لتل أبيب، بل أي موقع ستحتله إسرائيل في هندسة القوة العسكرية الأميركية مستقبلًا، وما الذي يعنيه ذلك لميزان القوى في الشرق الأوسط، وكيف ستتعامل دول المنطقة مع واقع استراتيجي جديد قد تجد نفسها فيه أمام ضرورة إعادة بناء حساباتها الأمنية والدفاعية.

×
أخبار
مسؤولون أمريكيون يضغطون على ترامب لشن ضربات واسعة ضد إيران وإنهاء الحرب الأمن الأردني يكشف تفاصيل العمل الإرهابي في عمّان..ومقتل أحد عناصره الدون رونالدو يعلن الاعتزال الدولي بعد 234 مباراة بعد الهزيمة الانتخابية.. جمهوريون يصرخون: "اطردوا ترامب من الحزب" "بلاغات القنابل" تربك حركة الطيران في أوروبا..هبوط اضراري وتحويل مسارات مدفيديف: نتائج انتخابات أمريكا لا تؤثر على المصالح الروسية و س ج: السعودية تتواصل مع الحوثيين لوقف الهجمات والجماعة تشترط 51 مليار دولار في فلسطين التاريخية...دولتان و"حكم ذاتي"! بعد الهزيمة الساحقة.. تايم تضع ملصق "لقد صوّت" على فم ترامب في غلافها رويترز: الدعم الأمريكي لإسرائيل تحت المجهر بعد فوز الديمقراطيين الحرس الثوري: اندلاع حرائق في ناقلتين وقاطرة بحرية بمضيق هرمز تحذير فريد..مؤرخ: "أمريكا قد ننتظر إلى إسرائيل كدولة معادية في ظل حكم الديمقراطيين" أ ب: قادة عالميين مرتاحون بحذر إزاء الهزيمة الساحقة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات أمريكا استطلاع يرصد تراجع صورة إسرائيل عالميا.. ولا ثقة مطلقا بنتنياهو تقرير: صراع محتدم داخل اليمين الأمريكي حول حرب إيران والسياسة الخارجية استراتيجية «التحوط» الإيرانية.. دبلوماسية إقليمية رفيعة المستوى توازيها استنهاض للقدرات الصاروخية ترامب يحذر الديمقراطيين: إذا حاولتم عزلي سيلحق بكم الدمار والت: مقاربة كوشنر وويتكوف القائمة على "الصفقات العقارية" تفشل في حل الأزمات الدولية عبري: هزة في الموساد بعد إطاحة غوفمان برئيس قسم "قيصرية" أثر خلافات حادة سي بي إس: ترامب يدرس إقالة وزير الحرب هيغسيث على وقع هزيمة انتخابات الكونغرس خلال زيارة الشرع.. توقيع اتفاقية تعاون دفاعية بين سوريا والسعودية فضيحة «فونزي»: أزمة صناديق الاستثمار بـ 20 مليار دولار تهز تركيا والحكومة تحت الضغط إحاطة عسكرية: خيارات التصعيد الأمريكي ضد إيران وتداعياتها الإقليمية فانس يكشف أسباب الهزيمة الجمهورية: الحرب، الاقتصاد، وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة وسط أزمة برلمانية وتحذيرات قضائية من التشكيك بنتائج الانتخابات مسؤولون أمنيون وقضائيون سابقون ينتقدون مطالبة زيني بالتحقيق مع قادة أحزاب عربية قرقاش: الأمن الجماعي الخليجي أثبت "خواءه" خلال الأزمة.. وإيران عبرت خطاً تاريخياً باستهداف جيرانها أيمن عودة: "تصويت العرب أفقدهم صوابهم... هذه ملاحقة سياسية" «ألمانيا تعيد التسلّح».. قراءة في تحولات برلين الاستراتيجية ونهاية أوهام الأمن الأوروبي درعي يتقدم بطلب استقالة من الكنيست وسط تراجع مقاعد حزب "شاس"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط