الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...

قراءة سياسية ودستورية في رسالة الأخ محمد دحلان

قراءة سياسية ودستورية في رسالة الأخ محمد دحلان

تاريخ النشر: 2026-09-01 | 16:23

في لحظة فلسطينية استثنائية تتقاطع فيها الحرب والدمار والانقسام السياسي مع أزمة المؤسسات الوطنية وتراجع الثقة العامة، تأتي رسالة الأخ القائد محمد دحلان، رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي إلى قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح، لتطرح سؤالًا يتجاوز حدود الموقف الفصائلي والسياسي، ليتصل بجوهر الدولة، والنظام السياسي، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني: هل يمكن إعادة بناء النظام السياسي بالأدوات والقواعد ذاتها التي أنتجت أزماته، أم أن المرحلة تفرض تأسيس عقد سياسي ودستوري جديد؟.

في الحقيقة تكمن أهمية الرسالة في أنها لا تتعامل مع الانقسام الفلسطيني باعتباره مجرد خلاف بين قوى سياسية أو حزبية، وإنما تنظر إليه باعتباره انعكاسًا لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وآليات توزيع السلطة وممارسة الحكم، والعلاقة بين التنظيمات السياسية ومؤسسات الدولة. ومن هنا، فإن جوهر الرسالة يتمثل في الانتقال من منطق التنافس على السلطة، إلى منطق الشراكة في الوطن، ومن شرعية القوة إلى شرعية الشعب، ومن الدولة التي تتقاسمها التنظيمات إلى دولة المواطنة وسيادة القانون، وسنعرض في نقاط أبرز الدلالات السياسية والدستورية التي تضمنتها الرسالة المشار إليها.

أولاً: المشكلة ليست في التعددية وإنما في غياب قواعد إدارتها، لذلك تؤسس الرسالة لفكرة سياسية ودستورية بالغة الأهمية، مفادها أن التعددية السياسية ليست أصل المشكلة الفلسطينية، بل إن المشكلة تكمن في غياب نظام مؤسسي قادر على إدارة هذه التعددية وصهرها، ضمن بوثقة وقواعد قانونية ودستورية وإجرائية ملزمة للجميع.

فالديمقراطية لا تفترض اختفاء الاختلاف، وإنما تفترض تنظيمه، نظراً لأن الاختلاف حق مشروع، وليس عيبًا في ذاته، بل أن منظرو الفقه الدستوري يعتبرونه مصدرًا للثراء السياسي، شريطة أن يجري التعبير عن هذا التعدد من خلال المؤسسات الدستورية، والانتخابات، والحوار، والقانون. فالخطر يبدأ عندما تتحول التنظيمات السياسية من قوى تعمل داخل الدولة، إلى قوى تتجاوز مؤسساتها، أو عندما تصبح الشرعية الفصائلية منافسة للشرعية الدستورية أو تعلوها درجة، أو عندما يصبح الانتماء التنظيمي معيارًا للوصول إلى الوظيفة العامة، أو المؤسسة الأمنية، أو المال العام، فمن منظور القانون الدستوري، فإن المسألة هنا تتعلق بمبدأ جوهري هو خضوع الحاكم والمحكوم، السلطة والمعارضة، الأغلبية والأقلية، للقواعد الدستورية والقانونية التي يجب أن تكون الحكم في كل تفاصيل الحالة الوطنية والسياسية والحزبية في فلسطين، انسجاماً لنص المادة (6) من القانون الأساسي الفلسطيني 2002 وتعديلاته، أن "مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص.

وفي هذه النقطة لا يمكن الحديث عن شراكة سياسية حقيقية من دون سيادة القانون، فالشراكة ليست مجرد توزيع للمناصب والمكاسب بين الفصائل، وليست محاصصة سياسية تتقاسم بموجبها التنظيمات الوزارات، والمؤسسات، والوظائف العامة فيما بينها، فلا ديمقراطية جدية من دون دولة قانون، ولا دولة قانون من دون مؤسسات مستقلة، ولا مؤسسات مستقلة من دون تداول سلمي للسلطة.

ثانيًا: من شرعية الفصيل إلى شرعية الشعب، وبتأكيد الخطاب على أن الشعب مصدر الشرعية والسلطات، إنما وي يختصر أحد أهم المبادئ الدستورية في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة. فالسلطة السياسية لا تستمد مشروعيتها من احتكار القوة، ولا من التاريخ النضالي وحده، ولا من الانتماء التنظيمي، ولا من الشعارات والخطابات، ولا من خلال المنابر والشاشات، وإنما تستمدها من الإرادة الشعبية التي تُعبّر عن نفسها من خلال الآليات الديمقراطية والضمانات الدستورية. وقد أحسن الخطاب صنعاً بتماشيه مع نصوص القانون الأساسي الفلسطيني، سيما المادة مادة (2) في سياق تأكيدها على أن "الشعب مصدر السلطات".

ومن هنا تأتي أهمية الانتخابات باعتبارها الوسيلة الأساسية لتداول السلطة، والتي لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء موسمي لاختيار أعضاء مجلس تشريعي أو رئيس، وإنما يجب أن تكون آلية دستورية لتجديد الشرعية السياسية، ومحاسبة القائمين على السلطة عن أي تجاوزات تتعلق بالتعسف والخروج على مبدأ المشروعية، أو سوء استعمال السلطة وإدارة المال العام. 

وعلى الرغم من أهمية الانتخابات القانونية، إلا أنها لا تكفي وحدها، فبناء النظام الديمقراطي لا يمكن اختزاله في عملية انتخابية، وإنما بحاجة إلى بيئة دستورية هذا البناء، منها على سبيل المثال حرية الترشح والانتخاب، نزاهة العملية الانتخابية، تكافؤ الفرص بين المتنافسين، استقلال القضاء، حرية الإعلام والتعبير والتجمع والمشاركة، حماية المعارضة السياسية، احترام نتائج الانتخابات، والتداول السلمي للسلطة، وهو ما يتطلب أن يكون مبدأً دستوريًا وسياسياً فلسطينياً في إطار توليد ثقافة وطنية تقبل وتحترم النتيجة الانتخابية. سيما وأنه بغير هذه الضمانات قد تتحول الانتخابات من وسيلة لتجديد الشرعيات إلى وسيلة لإعادة شرعنة الصيغ القديمة.

ثالثًا: الفصيل الذي يفوز بالحكم لا يملك الدولة، فهذه الفكرة من أكثر الأفكار أهمية في الرسالة من منظور القانون الدستوري، نظراً لأن الفوز في الانتخابات يمنح الحزب أو الفصيل حق ممارسة السلطة وفق الدستور والقانون، لكنه لا يمنحه ملكية الدولة ورسم شكلها واختطاف معالمها. فالدولة ليست حزبًا، والوظيفة العامة ليست مكافأة تنظيمية، والأجهزة الأمنية ليست أدوات سياسية، والمال العام ليس حقاً للفصيل الحاكم، والقضاء ليس وسيلة للانتقام من الخصوم. 

رابعًا: السلاح والصراع السياسي والشرعية، السلاح لا يحدد من يحكم، والقوة لا تمنح أي شرعية، واستخدامها داخل المجتمع، يجب أن يكون محصوراً في الأجسام التي منحها القانون هذه الميزة في إطار فرض هيبة النظام العام، على أن تكون أيضاً محكومة بالقانون، وخاضعة لنفوذه وسلطانه، أما الاستقواء بالقوة المسلحة كوسيلة لحسم الخلافات السياسية، فإنه يشكل جريمة قانونية ووطنية على حد السواء، ما زلنا ندفع ثمنها حتى اللحظة. لذلك فالخلاف السياسي يجب أن يُحسم أولاً وأخيراً بأدوات الحوار، أو الانتخابات، أو الاستفتاء الشعبي، أو القضاء، وليس بالقوة الغاشمة.

ولذلك فإن تجريم استخدام السلاح في حسم الاختلاف الداخلي، لا ينبغي أن يبقى خاضع لمجرد توافق سياسي هنا أو هناك، وإنما المطلوب تحويله إلى قواعد دستورية وقانونية صريحة تجرّم اللجوء إليه بأي شكل من الأشكال.

خامسًا: المصالحة ليست مجرد اتفاق بين الفصائل، لذلك نجد أن الرسالة تطرح تصورًا مهمًا للمصالحة الفلسطينية؛ كونها ترفض أن تبقى مجرد تسوية مؤقتة بين القوى السياسية، بينما يبقى النظام الذي أنتج الانقسام قائمًا على حاله، وفي سبيل ذلك يرى أن إصلاح النظام السياسي، وضمان استقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، وتحديد العلاقة بين السلطات، والاتفاق على قواعد تداول السلطة، هي بوابة المصالحة الوطنية، والضامن الحقيقي لعدم العودة للاقتتال من جديد، مع التأكيد على أهمية تبني مسار واضح للعدالة الانتقالية بما يتضمنه من إجراءات وتدابير قضائية وغير قضائية، تسلكها المجتمعات لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

سادسًا: العقد الوطني والاجتماعي الجديد، فالعقد الاجتماعي في الفكر السياسي والدستوري يقوم على تحديد طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبيان مصدر الشرعية، وتحديد حقوق الأفراد وحرياتهم، وتنظيم السلطات العامة ووضع حدود لممارستها. وهو ما يمكن أن يشكل في الحالة الفلسطينية أساسًا لإعادة التأكيد على مجموعة المبادئ الدستورية الديمقراطية، فإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بحاجة إلى مواد دستورية راسخة، وليس إلى مجرد شعارات سياسية تُستحضر للمزايدة والاستقطاب.

سابعًا: دولة المواطنين بدل دولة الفصائل، وما يعنيه ذلك أن يحصل المواطن على حقوقه باعتباره مواطنًا أولاً وأخيراً، لا باعتباره عضوًا في جماعة أو تنظيم سياسي، الأمر الذي بات يتطلب إعادة النظر في العديد من الممارسات السياسية والإدارية، التي تجعل الانتماء السياسي أساس الحصول على الوظيفة، أو الخدمة، أو الحماية، أو الفرصة، فالدول التي تحترم نفسها لا تسأل المواطن إلى أي فصيل تنتمي؟ لكي تمنحه حقوقه، وإنما مرد الحقوق والحريات هو القانون، الذي يتعامل مع الجميع بتجرد وعمومية ودون تمييز.
 
لذلك فإن الانتقال إلى دولة المواطنة يتطلب ترسيخ مبدأ المساواة، وعدم التمييز السياسي، وضمان تكافؤ الفرص، واعتماد الكفاءة والاستحقاق في الوظيفة العامة، وحماية الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين. حسبما ذهبت إليه المادة (9) من القانون الأساسي من خلال تأكيدها على أن: "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة.

ثامناً: المرأة والشباب من الهامشية إلى المشاركة الدستورية، اللافت للنظر أن الرسالة قد أولت اهتمامًا واضحًا بالمرأة والشباب، وهو ما يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول التمثيل السياسي لهاذين المركبين المجتمعين، في ضوء الاعتراف بأن المرأة ليست مجرد فئة اجتماعية تحتاج إلى تمثيل رمزي، وإنما هي شريك كامل في المجال العام، وكذلك الشباب لا ينبغي أن يكونوا مجرد مجمع انتخابي أو وقود للحملات السياسية، وإنما يجب أن يكون لهم حضور فعلي في مواقع صنع القرار، ينسجم على أقل تقدير مع نسبة تمثيلهم في المجتمع.

وهنا يمكن للقانون الانتخابي والدستوري أن يلعب دورًا مهمًا في تعزيز حضور النساء والشباب في مراكز القرار، من خلال آليات تعزيزية مثل الكوتا أو التمثيل المخصص، دعم تكافؤ فرص الترشح، تشجيع مشاركة الشباب والمرأة قولاً وفعلاً في مؤسسات النظام السياسي، بما في ذلك إزالة العوائق القانونية والسياسية والمجتمعية أمامهم، إلى حين قدرتهم على المنافسة المُفضية إلى مشاركة طبيعية ومستدامة.

ختاماً: أي نظام سياسي نريد؟

أثبتت التجربة الفلسطينية أن استمرار الانقسام لا يمثل مجرد أزمة سياسية، بل يهدد بنية النظام السياسي ومؤسسات الدولة ومفهوم الشرعية ذاته، ولذلك فإن تجاوز الماضي لا يكون بإنكاره، ولا بإعادة إنتاجه، وإنما بتحويل دروسه إلى قواعد جديدة تضمن تعزيز التحول الديمقراطي في البلاد، وأعتقد أن مفاتيح ذلك تكمن في الانتقال من الفصيل إلى المواطن، ومن الشخص إلى المؤسسة، ومن القوة الغاشمة إلى قوة القانون، ومن المحاصصة إلى الشراكة، ومن الانقسام إلى التعددية، ومن شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الشعب، ومن إدارة الأزمة بعقلية عفى عليها الزمن إلى بناء الدولة، وفي كل الأحوال ليكن الوطن أكبر من الجميع.

×
أخبار
القوات المركزية الأمريكية تشن ضربات على أهداف للحرس الثوري في إيران سماع دوي انفجارات في بندر عباس وكونارك وتشابهار بإيران..ومسؤول أميركي: نفذنا ضربات دقيقة الصحة العالمية تحذر من ازدياد المخاطر الصحية في قطاع غزة مع اقتراب موسم الأمطار استراتيجية إسرائيلية لما بعد الحرب: خفض سقف الطموحات وترك فكرة «النصر الكامل» خلف كواليس تحقيق أحمدي نجاد.. صحفيا «نيويورك تايمز» يكشفان الشكوك والأسئلة التي رافقت القصة يائير غولان يمهل سارة نتنياهو 24 ساعة للاعتذار علنًا أو مواجهة دعوى تشهير بـ 2.5 مليون شيكل «فايننشال تايمز»: إسرائيل تنتقل من التوسع الاستيطاني إلى «الضم الفعلي» للضفة الغربية الأغذية العالمي يخفض مساعداته للضفة الغربية إلى النصف تقرير: النظام الدولي يتجه نحو تحالفات مرنة وتوزع جديد للأعباء شركة سياحية في تايلاند ترفض عائلة كاملة: لا نريد إسرائيليين لائحة اتهام ضد 12 سجانًا إسرائيليًا بتهمة التسبب باستشهاد أسير فلسطيني قراءة سياسية ودستورية في رسالة الأخ محمد دحلان إخفاق جهود نتنياهو لتوحيد أحزاب اليمين المتطرف يهدد بحرق عشرات آلاف الأصوات ومعسكره الانتخابي الشيباني: متمسكون بالحل الدبلوماسي رغم الاعتداءات الإسرائيلية ضجة سياسية.. سارة نتنياهو تهاجم يائير غولان وتلمح إلى علمه المسبق بهجوم 7 أكتوبر مجلس الوزراء الفلسطيني يوجّه بتعزيز التعليم في القدس والتمسك بالمناهج الفلسطينية الرئاسة الفلسطينية: الحرب الدينية التي يشنها جيش الاحتلال ضد الأماكن المقدسة تجاوزت كل الخطوط كاتس: إسرائيل نجحت في القبض على قيادي بارز في حماس إعلان "بيشكيك".. رفض للهيمنة الأحادية وتمسك بمبادئ السيادة ودعوة لإصلاح مالي دولي بزشكيان: إيران سترد بالمثل إذا التزمت أمريكا بمذكرة التهدئة المؤقتة سلطات الاحتلال تواصل منع رفع الأذان بالمسجد الإبراهيمي للشهر الثالث شهيد متأثرا بإصابته برصاص جيش الاحتلال في دير البلح وسط قطاع غزة نتنياهو و7 أكتوبر..كشف بعض الحقيقة! الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 73,462 شهيدا بحرية جيش الاحتلال تعتقل 10 صيادين قبالة بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة أكسيوس: أمريكا تدرس شن ضربات محدودة ضد إيران في مضيق هرمز استقالة مفاجئة لوزير الجيش الأمريكي..صراع الجنرالات مع هيغسيث نتنياهو يفتح النار على قادة الأجهزة الأمنية: جبناء.. "أخفوا عني مخطط 7 أكتوبر"- فيديو تحذير إسرائيلي من "القائمة الوطنية الموسعة": بوابة لإعادة تعويم "حماس" وشرعنتها تقرير: حرب إيران تكشف حدود القوة الأمريكية وتُسرّع تحوّط الحلفاء من واشنطن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط