تاريخ النشر: 2026-08-29 | 21:23
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-29 | 21:23
عند قراءة مجريات «مجلس السلام» ومقارنة ما أُعلن عن أهدافه بما تحقق على الأرض، تظهر فجوة كبيرة بين الاسم الذي حمله والمسار الذي اتخذته الأحداث. فقد قُدم المجلس باعتباره إطارًا لإرساء السلام ووقف الحرب وفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة وترتيب مستقبلها، لكن معظم المسارات التي طُرحت لم تنفذ بالشكل الذي كان يفترض أن يقود إلى استقرار حقيقي.
فوقف إطلاق النار بقي هشًا، والمساعدات لم تدخل بالمستوى المطلوب، واللجنة الوطنية التي شُكلت لم تباشر مهامها كما كان متوقعًا، ولم يبدأ الإعمار أو توفير الإيواء بصورة حقيقية، فيما لم يحدث الانسحاب الإسرائيلي من غزة، بل استمرت إسرائيل في توسيع مناطق سيطرتها. أما قوة الاستقرار، التي كان يفترض أن تكون إحدى ركائز المرحلة الجديدة، فما زال تنفيذها يواجه تعقيدات كبيرة.
في المقابل، تقدمت قضية نزع سلاح حماس لتصبح الشرط الأبرز في الموقف الإسرائيلي، وربطت إسرائيل بها الانسحاب وبقية مراحل الاتفاق. وهنا تبدو المعادلة مختلة: البنود التي يفترض أن تنهي الحرب وتعيد الحياة إلى غزة بقيت معلقة، بينما تقدم الملف الأمني ليصبح بوابة تنفيذ بقية الالتزامات.
ومن خلال تسلسل الأحداث، يمكن قراءة مسار مجلس السلام، كاستنتاج سياسي لا كحقيقة قطعية، باعتباره محاولة لترحيل الأزمة وإدارتها أكثر من كونه مسارًا مكتملًا لإنهائها.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال آخر في قراءة ما جرى: أن تكون الترتيبات المرتبطة بغزة قد دخلت ضمن مقايضة إقليمية أوسع؛ أي تخفيف أو وقف جزء من العمليات الإسرائيلية في غزة، مقابل فتح المجال أمام مشاركة إسرائيل في مواجهة إيران بدعم أمريكي.
لا توجد، بالضرورة، وثيقة معلنة تثبت وجود هذه المقايضة بهذه الصيغة، لكن تزامن المسارات وتسلسل الأحداث يسمحان بطرحها كسؤال سياسي مشروع: هل كان تجميد جزء من الحرب في غزة جزءًا من إعادة ترتيب للأولويات، مقابل مواجهة إيران؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن تعثر الحرب على إيران في تحقيق الأهداف التي كانت إسرائيل تأمل الوصول إليها، وفق حساباتها، يعيد تفسير المشهد؛ إذ لم تعد إسرائيل ترى أن الظروف التي دفعتها إلى القبول بالترتيبات السابقة قائمة بالضرورة، فعادت إلى التشدد في غزة وإلى طرح شروط جديدة، وفي مقدمتها نزع سلاح حماس.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر: مجلس حمل اسم «السلام»، بينما لم تدفع ترتيباته المنطقة نحو تهدئة شاملة، بل تزامنت مع تصعيد إقليمي وحرب على إيران واستمرار التوتر في لبنان وغزة.
ومن ثم يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل كان مجلس السلام طريقًا لإنهاء الأزمات، أم إطارًا لترحيلها من مرحلة إلى أخرى؟
فلو كان الهدف إنهاء الحرب، فإن معيار النجاح واضح: وقف إطلاق نار مستدام، انسحاب إسرائيلي، إدخال المساعدات، توفير الإيواء، بدء الإعمار، إدارة فلسطينية، ونشر قوة الاستقرار. أما إذا بقيت هذه الملفات معلقة، بينما تتقدم الشروط الأمنية الإسرائيلية، فإن المجلس يكون قد نجح في إدارة الأزمة أكثر مما نجح في حلها.
والأخطر أن استمرار هذا المسار قد يجعل المنطقة أقرب إلى انفجار جديد من الوصول إلى تسوية. فإذا اندلعت الحرب من جديد، فلن يكون ذلك مجرد انهيار لوقف إطلاق النار، بل قد يعني انهيار الاتفاق نفسه، وبالتالي انتهاء الدور الذي شُكل مجلس السلام من أجله؛ فالمجلس، كما أُعلن، قام أساسًا على وقف الحرب وإرساء السلام، فإذا انهار الاتفاق الذي كان يفترض أن يحقق ذلك، يفقد المجلس مبرر وجوده ودوره.
وعندها تعود المنطقة إلى نقطة الصفر: حرب جديدة، ووساطات جديدة، ومبادرات جديدة، بينما تبقى جذور الأزمة دون حل.
فالسؤال في النهاية ليس ماذا قال مجلس السلام، وإنما ماذا فعل؟ وإذا كان قد جاء لإنهاء الحرب، ثم انتهى الأمر بعودة الحرب وانهيار الاتفاق، فقد تكون المفارقة أن المجلس الذي وُلد باسم السلام، سينتهي بانتهاء الاتفاق الذي قام من أجله.