الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حلف مكة... عندما تسقط التحالفات الهشة وتعود القاهرة والرياض إلى مركز المشهد.

حلف مكة... عندما تسقط التحالفات الهشة وتعود القاهرة والرياض إلى مركز المشهد.

تاريخ النشر: 2026-09-16 | 17:20

د. جهاد ملكه
د. جهاد ملكه

لم يسقط ما يمكن تسميته بـ«حلف مكة» لأن خصومه كانوا أقوى منه بالضرورة، وإنما لأنه وُلد في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وتحت حسابات متضاربة، وفي لحظة بدا فيها أن المنطقة تُدار بمنطق ردود الفعل أكثر مما تُدار برؤية استراتيجية عربية متماسكة. وما سقط سريعاً هو الرهان على إمكانية بناء معادلة أمنية إقليمية مستقرة من دون تفاهم حقيقي بين القوى العربية المركزية، وفي مقدمتها مصر والسعودية.
الأكثر دلالة أن الفراغ الذي تركه هذا التراجع لم يبقَ فراغاً. سرعان ما بدأت قوى أخرى، من الحوثيين إلى أطراف إقليمية مختلفة، في اختبار حدود النفوذ والقدرة على التأثير، فيما بدت بعض القوى التي أطلقت رسائل تهديدية في البداية وكأنها أعادت حساباتها سريعاً. باكستان، مثلاً، رفعت سقف خطابها في البداية، ثم تبدلت لهجتها بعد زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران. أما تركيا، فتبدو أكثر براجماتية من أي وقت مضى؛ أنقرة تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع الجميع، وعدم الدخول في معركة لا تخدم مصالحها المباشرة.
وهنا تحديداً تظهر الحقيقة التي حاولت بعض الترتيبات الإقليمية تجاوزها: لا يمكن بناء نظام أمني عربي مستقر بتهميش القاهرة أو التعامل معها باعتبارها مجرد طرف آخر في المعادلة.
عودة مصر إلى لغة الأمن القومي
لعل العبارة الأهم في المشهد ليست انعقاد القمة المصرية السعودية في القاهرة بحد ذاته، وإنما ما صدر عنها من تأكيد أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري.
هذه ليست عبارة بروتوكولية عابرة.
فاللغة التي تستخدمها القاهرة في توصيف الأمن الخليجي تحمل دلالة سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود التضامن الدبلوماسي. عندما تقول مصر إن أمن الخليج جزء من أمنها القومي، فهي تعيد تعريف المعادلة من زاوية مختلفة: أمن البحر الأحمر، وأمن الخليج، وأمن الممرات البحرية، وأمن الدولة السعودية، ليست ملفات منفصلة عن الأمن المصري، وإنما حلقات في منظومة أمن إقليمي واحدة.
وهذه نقطة كان من الضروري أن تعود إلى الخطاب العربي منذ وقت طويل.
فالسعودية، بثقلها الاقتصادي والسياسي والديني، ومصر، بثقلها السكاني والعسكري والجغرافي، ليستا دولتين عاديتين في النظام العربي. وأي محاولة لإعادة تشكيل المنطقة من دون تفاهم مصري سعودي عميق ستظل معرضة للانكشاف عند أول اختبار حقيقي.
السعودية أمام خيار استراتيجي
الرسالة الأهم التي يمكن أن تخرج بها الرياض من التطورات الأخيرة هي أن التحالفات لا تُقاس بعدد الدول التي تصطف في الصورة، وإنما بقدرتها على الصمود عندما يبدأ الاختبار الحقيقي.
قد تستطيع قوى دولية حماية حليف لفترة، وقد تستطيع ترتيبات إقليمية مؤقتة تأمين بعض المصالح، لكن الأمن الاستراتيجي للدول العربية لا يمكن أن يبقى رهينة لتوازنات متغيرة أو لضمانات خارجية قابلة لإعادة الحساب في أي لحظة.
ومن هنا فإن إدراك السعودية لموقع مصر باعتبارها «حارس البوابة» العربية، وليس مجرد دولة عربية أخرى، يمكن أن يغير الكثير في المعادلة المقبلة.
فمصر تملك الجغرافيا التي تربط الخليج بالبحر المتوسط، وتتحكم في قناة السويس، وتمتلك موقعاً مركزياً على البحر الأحمر، فضلاً عن ثقلها العسكري والسياسي والتاريخي. والسعودية بدورها تمتلك الوزن الاقتصادي والجيوسياسي الذي يجعل أي شراكة استراتيجية بينها وبين القاهرة قادرة على إنتاج مركز ثقل عربي حقيقي.
المسألة إذن ليست أن تقف مصر إلى جانب السعودية في أزمة محددة؛ بل أن تُبنى بين القاهرة والرياض منظومة مصالح وأمن وتنسيق طويلة الأمد، بحيث يصبح استقرار إحداهما جزءاً عضوياً من استقرار الأخرى.
لماذا يجب ألا ينسى العرب درس «حلف مكة»؟
الدرس الحقيقي من «حلف مكة» ليس في من ربح ومن خسر، ولا في عدد البيانات التي صدرت أو الدول التي حضرت وغابت.
الدرس هو أن المنطقة العربية لا تحتمل تحالفات تُبنى بسرعة وتنهار عند أول اختبار، ولا ترتيبات أمنية تتغير بمجرد تغير اتجاه الريح الإقليمية.
ومن الخطأ أن ينسى العرب هذا الدرس.
فالتحالفات العربية التي تستحق البقاء هي تلك التي تقوم على المصالح المتبادلة، والتفاهم السياسي، والقدرة العسكرية، والعمق الشعبي، والتكامل الاقتصادي، والأهم من ذلك كله: الثقة المتبادلة.
أما التحالف الذي لا يمتلك هذه المقومات، فإنه قد يبدو كبيراً في البيانات والصور، لكنه يمكن أن يتبخر في ساعات عندما تتغير الحسابات.
إلى أين تتجه المنطقة؟
المشهد المقبل، في تقديري، لن يكون مشهد تحالف واحد يواجه تحالفاً آخر بالضرورة، بل مرحلة إعادة تشكيل واسعة للخريطة الإقليمية.
تركيا ستواصل سياسة «التفاهم مع الجميع» ما استطاعت، لأنها لا تريد أن تدفع تكلفة مواجهة مباشرة لا تحقق لها مكاسب واضحة.
إيران ستواصل اختبار حدود نفوذها، مستفيدة من شبكة حلفائها وأدواتها الإقليمية، ومن قدرتها على تحويل الجغرافيا المحيطة بها إلى أوراق ضغط.
والولايات المتحدة وإسرائيل ستواصلان محاولة إدارة المنطقة عبر ترتيبات أمنية وسياسية متعددة، لكن نجاح هذه الترتيبات سيبقى مرتبطاً بمدى قبول الدول العربية بها، وبمدى قدرتها على توفير أمن حقيقي وليس مجرد إعادة توزيع للنفوذ.
وفي المقابل، تبدو أمام القاهرة والرياض فرصة لإعادة بناء مركز ثقل عربي أكثر استقلالاً.
وهنا تكمن أهمية القمة المصرية السعودية الأخيرة.
إذا تحولت عبارة «أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري» إلى عقيدة سياسية واستراتيجية مستدامة، وليس مجرد موقف مرتبط بظرف عابر، فإن المنطقة قد تكون أمام بداية مختلفة.
كبيرا الأمة... إذا اتفقت القاهرة والرياض
ربما تكون المنطقة العربية بحاجة اليوم إلى قاعدة بسيطة طالما تجاهلتها: عندما تتفق القاهرة والرياض، يصبح من الصعب على الآخرين فرض معادلاتهم على المنطقة العربية من الخارج.
ليس المقصود أن تتحول مصر والسعودية إلى محور ضد أحد، ولا أن تدخل الدولتان في مواجهة مفتوحة مع قوى إقليمية أو دولية. العكس هو الصحيح.
القوة الحقيقية هي أن تمتلك الدول العربية مركز قرار يستطيع التفاوض مع الجميع من موقع الندية، وأن تكون لديها القدرة على حماية مصالحها، لا انتظار الآخرين لحمايتها.
ولهذا، فإن مستقبل العلاقة المصرية السعودية قد يكون أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
كبيرا الأمة العربية، إذا أمسكا بيد واحدة، لا يحتاجان إلى دفع الصغار بعيداً؛ يكفي أن يستعيدا مكانهما الطبيعي حتى تتغير قواعد اللعبة من تلقاء نفسها.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الفراغ لا يبقى فارغاً، وأن من لا يصنع التوازنات الإقليمية سيجد نفسه خاضعاً لتوازنات يصنعها الآخرون.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي بعد سقوط أو تعثر «حلف مكة» ليس: من سيحل مكانه؟
بل:
هل تستطيع القاهرة والرياض أن تبنيا معاً إطاراً عربياً جديداً للأمن الإقليمي، أكثر صلابة واستقلالاً واستدامة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد لا يكون ما شهدناه نهاية تحالف عربي، بل بداية مراجعة عربية كبرى.
وإذا كانت الإجابة لا، فسوف يستمر الآخرون في ملء الفراغ، وستبقى المنطقة تدفع ثمن غياب مركز عربي قادر على تحويل القوة والموارد والجغرافيا إلى استراتيجية واحدة.

×
أخبار
معهد : عنف المستوطنين يهدد أمن إسرائيل ومكانتها الدولية وقدرتها على العمل كدولة رويترز: هجوم الحوثيين الخاطف يترك السعودية مكشوفة ويزيد إيران جرأة كلفة الحرب مع إيران تبلغ 38 مليار دولار وترتفع بما يصل إلى 3 مليارات شهريًا أكثر من 20 سيناتورًا أمريكياً يضغطون لإخضاع العنف في الضفة الغربية لرقابة الكونغرس تحول في السياسة الإسرائيلية.. استطلاع: أيزنكوت يكتسح نتنياهو ويرتقي بـحزبه للصدارة إسرائيل والمغرب يقرران رفع مستوى العلاقات وتوسيع التعاون الاقتصادي فرانس برس: ممر تؤمّنه أمريكا يعزز تدفق النفط عبر مضيق هرمز إجراءات أمنية استثنائية تواكب زيارة نتنياهو إلى نيويورك مع توقع مظاهرات احتجاجية غوتيريش يدعو إلى وقف "الضم التدريجي" للضفة وأي إجراءات تقود إلى التطهير العرقي ميلوني: سأبقى رئيسة وزراء إيطاليا حتى نهاية الولاية التشريعية كاتس: إخراج الفلسطينيين من غزة ضمن الملفات الجوهرية لمستقبل القطاع تضامن واسع مع مخرجي "نازا" في مواجهة التحريض والتهديدات تمرد داخل "أميركا أولاً" على سياسة ترامب الخارجية بعد حرب إيران شهيدان أحدهما متأثرا بجروحه وآخر بقصف جيش الاحتلال منزلا شرق مدينة غزة سلطات الاحتلال تبلغ عائلة الأسير الشاب معتز الأطرش باستشهاده 44 عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا إطلاق سراح إسرائيلي سُجن 11 عامًا في كردستان العراق نتنياهو يتعهد بـ "تحطيم الأكاذيب" والدفاع عن الجنود في مواجهة الهجوم الدولي - فيديو فانس: لا يمكننا السماح لسياستنا الخارجية في الشرق الأوسط بأن تكون خاضعة لإسرائيل الخارجية الفلسطينية: مجزرة صبرا وشاتيلا تؤكد أن جرائم الاحتلال لا تسقط بالتقادم دبلوماسية الدولار.. كيف جمع جاريد كوشنر بين التفاوض السياسي والاستثمار الخاص؟ حرس الحدود المصري: ننسق مع السعودية لتأمين خليج العقبة الحوثيون يعلنون استهداف منشآت لأرامكو وقاعدة "خميس مشيط" في السعودية عمان: اللجنة الفرعية للجنة الاستشارية للأونروا تبحث التحديات السياسية والتمويلية التي تواجه الوكالة دير لاين تقترح دعوة كندا كأول "عضو منتسب" للاتحاد الأوروبي رويترز: لقاء سري بين واشنطن والحوثيين في عمان.. والجماعة تتعهد باستثناء السفن الأمريكية والإسرائيلية من هجماتها بيرنهام يلتقي بترامب للمرة الأولى في نيويورك الأسبوع المقبل السعودية: الاعتداء الجبان على مكة تكرار لممارسات ميليشيا الحوثي الإرهابية محافظة القدس تحذر من تصاعد التوسع الاستيطاني في بيت إكسا شمال غرب القدس الرئاسة تدين محاولة استهداف مكة المكرمة وتؤكد تضامنها مع المملكة العربية السعودية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط