تاريخ النشر: 2026-09-16 | 21:59
تاريخ النشر: 2026-09-16 | 21:59
بينما ينشغل معسكر التغيير في إسرائيل بالصراع على من يقوده، يواصل اليمين إعادة ترتيب صفوفه استعداداً للانتخابات المقبلة. وبين نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت تتزايد المنافسة على حجم الأحزاب وعلى موقع المرشح لرئاسة الحكومة، فيما ينتظر أفيغدور ليبرمان على هامش المشهد فرصة قد تجعله لاعباً حاسماً إذا انتهت الانتخابات إلى تعادل جديد.
كما يكشف النقاش المتزايد داخل معسكر التغيير عن مفارقة سياسية لافتة: في الوقت الذي يواصل فيه بنيامين نتنياهو وحكومته الدفع باتجاهات سياسية وأمنية حادة، يستهلك خصومه جزءاً كبيراً من طاقتهم في السؤال عمن يقود المعسكر ومن يملك حق تمثيله في الانتخابات المقبلة.
وبحسب ما تنقله وسائل الإعلام والمحللون الإسرائيليون، فإن الخلاف داخل معسكر التغيير لا يدور فقط حول السياسة، وإنما حول من يملك حق قيادة المعسكر. بينيت يقول إنه سيقبل قرار المعسكر بشأن مرشحه لرئاسة الحكومة، لكنه في الوقت نفسه يعلن أن فريقه هو القادر وحده على إصلاح الدولة. وآيزنكوت يسعى إلى زيادة قوة حزبه، وهو ما يثير داخل المعسكر نفسه سؤالاً عما إذا كان بناء حزب أقوى يعني بالضرورة بناء معسكر أقوى.
والأكثر أهمية أن معسكر التغيير نفسه ليس كتلة سياسية متجانسة؛ فهو يضم أحزاباً وشخصيات تختلف في مواقفها السياسية والأمنية، وفي رؤيتها للعرب والأحزاب العربية، فضلاً عن الخلافات الشخصية والسياسية بين قادته. لذلك فإن الاتفاق على إنهاء حكم نتنياهو لا يعني بالضرورة اتفاقاً على ما ينبغي أن يأتي بعده.
في المقابل، تتحرك قوى اليمين داخل فضاء سياسي أكثر وضوحاً في عدد من القضايا. فإلى جانب الليكود، تواصل القوى الدينية والقومية الأكثر تشدداً تعزيز حضورها، فيما يحاول إيتمار بن غفير الحفاظ على موقع سياسي قوي، وتسعى قوائم أخرى إلى تجاوز نسبة الحسم. وقد لا تكون هذه القوى متفقة على كل شيء، لكنها تتحرك في اتجاه عام يميل بوضوح إلى اليمين.
وهنا تكمن مشكلة أساسية أمام معسكر التغيير: يمكن أن تكون الخلافات مع نتنياهو عميقة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة القدرة على إسقاطه إذا بقي المعسكر منقسماً على نفسه.
هذه ليست مشكلة هامشية. فالنظام السياسي الإسرائيلي لا يضمن للحزب الأكبر القدرة على تشكيل الحكومة، وقد يتحول حزب متوسط الحجم إلى طرف حاسم إذا لم يتمكن أي معسكر من الوصول إلى أغلبية. ومن هنا أهمية ليبرمان، الذي قد يجد نفسه مرة أخرى في موقع يسمح له بالتأثير في شكل الحكومة المقبلة، خصوصاً إذا عاد سيناريو التعادل السياسي.
لكن السؤال الذي يهم الفلسطينيين لا يتعلق فقط بمن سيشكل الحكومة المقبلة، بل بما إذا كان تغيير الحكومة سيؤدي إلى تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
فالانتخابات قد تغير نتنياهو، لكنها لا تغير بالضرورة المفاهيم التي حكمت السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. وحتى إذا وصل بينيت أو آيزنكوت أو شخصية أخرى إلى رئاسة الحكومة، يبقى السؤال حول غزة والضفة والقدس والاستيطان واستخدام القوة العسكرية وموقع القضية الفلسطينية في السياسة الإسرائيلية.
وهنا ينبغي التمييز بين تغيير القيادة وتغيير المسار. فالخلاف بين القوى الإسرائيلية المعارضة لنتنياهو قد يكون حقيقياً ومهماً في قضايا كثيرة، لكنه لا يعني بالضرورة وجود تصور مختلف جذرياً للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في الانتخابات المقبلة: هل ستنتج تغييراً في الأشخاص فقط، أم ستفتح نقاشاً حول السياسة التي أوصلت الصراع إلى ما هو عليه؟
أما النقاش الدولي الموازي حول يوفال أبراهام وراشيل زور، مخرجي فيلم "نازا"، ومغني الراب الأمريكي ماكلمور، الذي اتخذ مواقف علنية داعمة للفلسطينيين ومنتقدة للحرب على غزة، فيكشف مفارقة أخرى. فبينما تتحول فلسطين إلى موضوع سجال في المهرجانات والجامعات والحفلات الفنية، يبقى الفلسطينيون أنفسهم، وخصوصاً في غزة، بعيدين عن مركز هذا النقاش بالنسبة لمن يعيش تحت الأنقاض أو في ظروف النزوح، لا تكفي مواقف الفنانين ولا التصفيق في المهرجانات؛ ما يهمه هو وقف القتل، والحصول على مأوى ودواء وماء، وإنهاء واقع الحرب والاحتلال.
لذلك، فإن الانتخابات الإسرائيلية تستحق المتابعة، لكن ليس فقط من زاوية من سيهزم نتنياهو أو من سيصبح رئيساً للحكومة. الأهم هو معرفة ما إذا كان هناك تغيير فعلي في رؤية إسرائيل للصراع.
فالسؤال الفلسطيني ليس: من سيأتي بعد نتنياهو؟ بل: هل سيأتي معه مسار مختلف؟ لأن تغيير الوجوه في إسرائيل لا يعني بالضرورة تغيير الواقع بالنسبة للفلسطينيين.