الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

محنة لوكاش.. محنة المفكّر

محنة لوكاش.. محنة المفكّر

تاريخ النشر: 2026-07-12 | 12:35

عبد الحسين شعبان
عبد الحسين شعبان

يوم توفّي المفكّر المجري جورج لوكاش في العام 1971، لم أكن قد قرأت له أي شيء، سوى بعض النُتف السلبية التي وردت في المطبوعات السوفيتية، لكن ما لفت انتباهي لاحقًا هو كتاب "ثلاثة وجوه للثورة" للمؤلف الفرنسي – البرازيلي ميشيل لوي، الذي ترجمه جورج طرابيشي في العام 1980.

استعدت في ذاكرتي ما كُتب عنه باعتباره تحريفيًا، وانحاز إلى الثورة المضادة في العام 1956، وأصبح وزيرًا للثقافة في ظلّ الحركة التي قادها إمري ناج، والتي سحقتها الدبابات السوفيتية، وأُعدم عدد من قادتها. واضطر لوكاش للهرب إلى يوغوسلافيا، وبعد فترة قضاها في المنفى، عاد بصدور عفو عنه مراعاة لمكانته الفكرية، ولكنه التزم الصمت حتى وفاته، واستمرّ خارج دائرة الضوء.

حاول لوكاش منذ وقت مبكّر، أن يُقدّم قراءات توليدية تأويلية للماركسية، خارج سياق التيّار الحزبوي؛ وقد ظلّ كتابه “التاريخ والوعي الطبقي” الذي صدر في العام 1923 شبه مفقود أو غير معروف لنا عربيًا، على أقل تقدير، حتى ترجمه د. حنّا الشاعر في العام 1979 بعد ترجمة أولى سبقته.

تناول لوكاش ما أسماه “الماركسية الأصيلة“، أي “زبدة” المنهج الماركسي وقوانينه الأساسية، كما بحث استنادًا إلى ماركس الترابط بين الوعي والواقع، وبين النظرية والممارسة، إذْ لا يكفي أن يتّجه الفكر نحو الحقيقة، بل إن الحقيقة ينبغي أن تتجه إلى الفكر أيضًا. ومن مساهمات لوكاش الأساسية دراساته النقدية الخاصة ﺑ”علم الجمال الماركسي“، كما قدّم مساهمات جليلة لدراسة الواقعية والواقعية المعاصرة، والعلاقة بين الوجودية والماركسية، مبتعدًا عن تنظيرات جدانوف والجدانوفية الأوامرية البيروقراطية، تلك التي قامت على ما سمّى ﺑ”الواقعية الاشتراكية”، والتي سادت في الفترة الستالينية بشكل خاص والتي ظلّت تُبسط ظلالها على الكثير من النتاجات الفكريّة والثقافية.

وقد ترجم لنا الياس مرقص كتابه “تحطيم العقل” في العام 1980 – 1981، كما ترجم لنا بديع عمر نظمي كتابه “التاريخ والوعي الطبقي” في العام 1984، وقام جورج طرابيشي بترجمة كتابه “ماركسية أم وجودية” في العام 1998، وبذلك اكتملت، إلى حدّ ما، صورة لوكاش المفكّر، بعيدًا عن الأغراض الحزبوي.

وفي كتابه “أنطولوجيا الكائن الاجتماعي” أعاد لوكاش تركيب المفاهيم الماركسية، حيث مثّل جهدًا لإضفاء نزعة إنسانية وجمالية عليها من خلال الأدب السياسي والفلسفي الكلاسيكي، ولا سيّما في ميدان الثقافة والفن والأدب.

وحاول لوكاش أن ينفض الغبار الذي علق بالفكر الماركسي في روسيا، التي شهدت تخبطات فكرية بعد وفاة لينين، حيث أطلق ستالين على اللينينية، وهي نظرية الثورة الروسية “ماركسية عصرنا” في محاولة لتعميم النموذج، في حين كان لوكاش يُشدّد على الخصوصية والتنوّع وعدم وجود موديل واحد، ففي الاختلاف تنبجس الحقيقة.

وانطلاقًا من ذلك ابتدع فكرة “الماركسية الأوروبية“، بتأكيده أن المعرفة لا تنضب، مثلما هو الواقع لا ينتهي، وإنّ الأمر يحتاج إلى ملاءمة.

ويبدو أن مصطلح الماركسية الأوروبية الذي نحته لوكاش وجد صداه لاحقًا، خصوصًا في فترة احتدام الخلافات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية التي برزت في ستينيات القرن المنصرم، تلك التي رفضت البراديغم السوفيتي، وقد سبقها انتفاضة المجر في العام 1956، التي تشبّثت بالخصوصية، وانتفاضة تشيكوسلوفاكيا في العام 1968، التي عُرفت بـ”ربيع براغ“، والتي دعت إلى اشتراكية ذات وجه إنساني بقيادة ألكسندر دوبشيك.

لقد طوّرت الأحزاب الشيوعية الأوروبية نظرية التحوّل الاجتماعي الأكثر مناسبة لأوروبا الغربية، والأساس النظري لها كتابات أنطونيو غرامشي، التي انتقدت فئوية اليسار وشجّعته على تشكيل تحالفات اجتماعية لتحقيق إصلاحات من خلال التدرّج والطريق السلمي عبر المؤسسات الديموقراطية القائمة، أي رفض الطريق العُنفي للوصول إلى الاشتراكية، وذلك في نزوع استقلالي عن المركز الأممي السوفيتي، ولم يكن ذلك بعيدًا عن أفكار لوكاش.

كما تأثّرت مدرسة فرانكفورت بلوكاش، ولا سيّما كتابه المهم “التاريخ والوعي الطبقي”، حيث لقيتْ مناظراته مع جان بول سارتر اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا إزاء النزعة الإنسانية، وأضفت تلك المناظرات بشأن الوجودية نزعة انفتاحية على آرائه.

ولعلّ من المستحيل حسب جورج لوكاش معالجة معضلة المادية التاريخية دون دراسة مؤسس الديالكتيك، ويعني به هيغل وعلاقة ماركس بفلسفته، وبهذا المعنى لا يمكن وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعني إيقاف نقد التاريخ أو نقده بأدوات تجاوزها الزمن، وهو ما كان ماركس شديد الانتباه له، لا سيّما بتحالقاته التي جعلت الجدل أساسًا للتطوّر، فما بالك اليوم ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، ذلك أن مهمة التنظير تقتضي نقد الفكر السائد والكشف عن عيوبه ومثالبه في إطار فهم حيوي، فلم يعد الاستشهاد بماركس أو إنجلز وفيما بعد لينين كافيًا، خصوصًا حين يُساق لأهداف أخرى وفي مجال غير مجاله في أحيان ثانية.

تلك هي محنة لوكاش.. تلك هي محنة المفكّر

×
أخبار
شركات إسرائيلية تعرض تقنيات الأمن السيبراني في دبي وسط تبادل تجاري بنحو 3 مليارات دولار هآرتس: انهيار مبنى في مدينة غزة يعكس انهيار القطاع بأكمله إجراءات أمريكية ضد فلسطين ترهيب وقح يستوجب فعلا! إصابات واعتقالات واسعة خلال اقتحامات جيش الاحتلال في الضفة والقدس الخارجية الأمريكية تفرض عقوبات على مسؤولي السلطة الفلسطينية وأعضاء منظمة التحرير بينها عباس أعضاء بمجلس الشيوخ يطلبون معلومات عن مقترح ترامب النووي مع السعودية وسط انقسام سياسي..لبنان: مجلس النواب يجدد الثقة بحكومة سلام بـ68 صوتاً ترامب سيجتمع مع قادة خليجيين لـ"بحث المرحلة التالية من حرب إيران" في نيويورك معهد : عنف المستوطنين يهدد أمن إسرائيل ومكانتها الدولية وقدرتها على العمل كدولة إسرائيل والمغرب يقرران رفع مستوى العلاقات وتوسيع التعاون الاقتصادي كلفة الحرب مع إيران تبلغ 38 مليار دولار وترتفع بما يصل إلى 3 مليارات شهريًا أكثر من 20 سيناتورًا أمريكياً يضغطون لإخضاع العنف في الضفة الغربية لرقابة الكونغرس رويترز: هجوم الحوثيين الخاطف يترك السعودية مكشوفة ويزيد إيران جرأة تحول في السياسة الإسرائيلية.. استطلاع: أيزنكوت يكتسح نتنياهو ويرتقي بـحزبه للصدارة فرانس برس: ممر تؤمّنه أمريكا يعزز تدفق النفط عبر مضيق هرمز إجراءات أمنية استثنائية تواكب زيارة نتنياهو إلى نيويورك مع توقع مظاهرات احتجاجية غوتيريش يدعو إلى وقف "الضم التدريجي" للضفة وأي إجراءات تقود إلى التطهير العرقي ميلوني: سأبقى رئيسة وزراء إيطاليا حتى نهاية الولاية التشريعية كاتس: إخراج الفلسطينيين من غزة ضمن الملفات الجوهرية لمستقبل القطاع تضامن واسع مع مخرجي "نازا" في مواجهة التحريض والتهديدات تمرد داخل "أميركا أولاً" على سياسة ترامب الخارجية بعد حرب إيران شهيدان أحدهما متأثرا بجروحه وآخر بقصف جيش الاحتلال منزلا شرق مدينة غزة سلطات الاحتلال تبلغ عائلة الأسير الشاب معتز الأطرش باستشهاده 44 عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا إطلاق سراح إسرائيلي سُجن 11 عامًا في كردستان العراق نتنياهو يتعهد بـ "تحطيم الأكاذيب" والدفاع عن الجنود في مواجهة الهجوم الدولي - فيديو فانس: لا يمكننا السماح لسياستنا الخارجية في الشرق الأوسط بأن تكون خاضعة لإسرائيل الخارجية الفلسطينية: مجزرة صبرا وشاتيلا تؤكد أن جرائم الاحتلال لا تسقط بالتقادم دبلوماسية الدولار.. كيف جمع جاريد كوشنر بين التفاوض السياسي والاستثمار الخاص؟ حرس الحدود المصري: ننسق مع السعودية لتأمين خليج العقبة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط