تاريخ النشر: 2026-09-20 | 18:30
تاريخ النشر: 2026-09-20 | 18:30
واشنطن: شهدت الاستراتيجية العسكرية والسياسية للولايات المتحدة في منطقة القرن الأفريقي تحولاً جوهرياً؛ إذ انتقل التركيز الأميركي من دعم الاستقرار الوطني الشامل وتماسك المؤسسات الاتحادية في الصومال إلى إعادة انتشار انتقائي يركز على مكافحة الإرهاب وتأمين حركة الملاحة الدولية عبر خليج عدن وباب المندب.
تأتي هذه القراءة التحليلية لتتبع أبعاد التحركات الأميركية الأخيرة في إقليم بونتلاند، ومدى ارتباطها باضطرابات الطاقة والممرات البحرية في الشرق الأوسط، وتداعيات هذا النهج الإقليمي المباشر على المستقبل السياسي والأمني للدولة الصومالية.
التحول العملياتي في بونتلاند وأبعاد الوجود بمدينة بوصاصو
تتحول مدينة بوصاصو الساحلية الواقعة شمال إقليم بونتلاند من مجرد موقع محلي لمكافحة تنظيم الدولة إلى عقدة حيوية ضمن هندسة أمنية استراتيجية واشنطن البحرية الممتدة إلى باب المندب.
النشاط العسكري: شهد الساحل الشمالي تحليقاً لطائرات مراقبة أميركية فوق جبال المسكاد يعقبها ضربات جوية ضد عناصر مشتبه بها، مع ترتيبات لحضور أكثر ديمومة لجمع المعلومات ومراقبة حركة السفن وطرق التهريب.
لقاء بونتلاند: أعلنت سلطات بونتلاند، عقب اجتماع رئيس الإقليم سعيد عبد الله دني مع وفد عسكري أميركي بقيادة اللواء كلود تيودور، الاتفاق على توسيع قاعدة أميركية بالمدينة.
غموض وملاحظات محلية: يُبرز صحفيون صوماليون أن الولايات المتحدة لم تمتلك قاعدة عسكرية سابقة في بوصاصو، مؤكدين أن الحديث عن "التوسيع" يُغطي فعلياً إنشاء وجود عسكري جديد، في ظل غياب أي تعليق رسمي علني من البنتاغون بشأن تلك الخطط.
أثر الصراعات الإقليمية على الجغرافيا العسكرية الأميركية
أعادت الحرب مع إيران، إلى جانب التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، تقييم القيمة الاستراتيجية للساحل الصومالي لدى صانع القرار العسكري في واشنطن:
إعادة توزيع المخاطر: أدت المخاطر الصاروخية ومخاطر الطائرات المسيرة التي تهدد القواعد الكبرى في الخليج إلى زيادة جاذبية الانتشار العسكري الأصغر والأكثر تشتتاً ومرونة على الضفة الأفريقية.
تأمين حركة الملاحة: أسهم تحويل السعودية لجزء أكبر من صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر نتيجة الضغوط على هرمز، بالتزامن مع توسع الحوثيين في اليمن، في جعل بوصاصو موقعاً حيوياً لمراقبة خطوط الملاحة وتأمين طرق الطاقة.
الربط بين المسارح: بات تهديد باب المندب يربط عملياتياً بين ثلاثة مسارح مجزأة سابقاً: الحرب مع إيران، التحركات الحوثية باليمن، والانقسام السياسي والأمني بالصومال.
نموذج "المسارين": مكاسب تكتيكية وتراجع عن الدعم المؤسسي
تعكس التطورات الحالية تطبيق الولايات المتحدة لسياسة "المسارين"، حيث تُعزز قدراتها الميدانية الخاصة على حساب حزم الدعم الإقليمية والدولية لبناء الدولة الصومالية:
تقليص دعم البعثة الأفريقية: تعتزم إدارة ترامب وقف الدعم الأميركي للنظام اللوجستي الأممي المساند لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (البالغ قوامها نحو 12,000 عنصر) بعد 31 ديسمبر، وسط تحذيرات رسمية من مخاطر انهيار البعثة.
الانتقائية العملياتية: تُفضل واشنطن التواجد في مناطق تحقق منفعة استخباراتية وضغطاً أمنياً مباشراً، مع الحد من المساهمة في الكلفة المالية والسياسية لبناء المنظومة الأمنية الاتحادية.
العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب: شبكات التباديل الميدانية
تنظر القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إلى شبكات التهريب عبر الساحل الصومالي باعتبارها منظومة مترابطة، مع الحفاظ على التمييز بين التعاون التكتيكي والاندماج العقائدي:
طبيعة العلاقة: يتسم التقارب بين الجماعتين بالطابع البراغماتي والانتهازي القائم على تبادل السلاح والتدريب وتسهيل شبكات التهريب والقرصنة، دون الوصول إلى مرحلة التحالف الأيديولوجي.
منظور أفريكوم: ينقل المقال عن قائد أفريكوم، الجنرال داغفين أندرسون، قوله أمام الكونغرس إن أسلحة ومسيّرات إيرانية تُهرّب عبر وسطاء لتصل إلى حركة الشباب، مشدداً على توسع خطوط الإمداد الحوثية.
الاستقلالية الميدانية: تحتفظ حركة الحوثيين باستقلالية عملياتية، ما يمنع افتراض استجابتها التلقائية لأي أوامر خارجية بإغلاق ممرات الملاحة.
تداعيات التعامل المباشر مع "سلطات الأمر الواقع" على السيادة
يؤدي تجاوز الحكومة الفيدرالية في مقديشو لصالح تفاهمات حصرية مع الأقاليم إلى مفارقات تتعلق بشرعية المؤسسات والسيادة الوطنية:
إضعاف المركز: يمنح التعامل المباشر مع بونتلاند وصوماليلاند (عبر بربرة) السلطات الإقليمية مكاسب أمنية واهتماماً دولياً خارج أُطر الحكومة المركزية، ما يُكرس تجزئة السلطة.
الموانئ كأوراق نفوذ: تحولت الموانئ والمطارات الاستراتيجية إلى أدوات تفاوض سياسي داخلي؛ إذ عرضت مقديشو ذاتها في مارس 2025 سيطرة حصرية للولايات المتحدة على منشآت في بوصاصو وبربرة رغم خروج المدينتين عن سيطرتها الفعلية.
معضلة الهيكل الأمني: تعتمد واشنطن تكتيكياً على الأقاليم الأكثر هشاشة سياسياً تجاه المركز لسهولة تحصيل تسهيلات الوصول العسكري، وهو ما ينعكس سلباً على فرص تشكيل نظام أمني موحد يضمن استقرار البلاد على المدى الطويل.
يُسلط هذا التحول الضوء على مقايضة استراتيجية تعتمدها واشنطن بين التحسين الفوري لحرية حركة قواتها لحماية الممرات البحرية، وبين استدامة البنية الأمنية للجمهورية الصومالية. وبينما تحقق هذه الاستراتيجية مكاسب استخباراتية وعملياتية سريعة قبالة خليج عدن، فإنها تصعّب معالجة الانقسامات الداخلية المسببة لانعدام الاستقرار.