تاريخ النشر: 2026-09-13 | 19:00
تاريخ النشر: 2026-09-13 | 19:00
طهران: كشف تقرير استقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 13 سبتمبر/أيلول 2026، وأعدته الصحافية فرناز فصيحي، عن صراع حاد داخل بنية الحكم الإيرانية بين جناح سياسي يدفع باتجاه إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وفتح الباب أمام تسوية تفاوضية، وبين تيار أمني وعسكري متشدد عمل، وفق روايات مسؤولين إيرانيين حاليين وسابقين، على إفشال مسار التهدئة من خلال تصعيد ميداني متعمد في مضيق هرمز.
بحسب الرواية التي يقدمها التحقيق، جاءت نقطة التحول مطلع يوليو/تموز، عندما أطلقت قوات إيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما أدى إلى اشتعال ناقلة غاز قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى. وتكمن أهمية الحادثة في أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وقيادة الحرس الثوري العليا، ومجلس الأمن القومي، لم يكونوا، وفق المصادر التي استند إليها التحقيق، على علم مسبق بالهجوم.
وتنسب ثلاثة مصادر إيرانية قرار الهجوم إلى رجل الدين حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري وأحد أبرز شخصيات التيار الأمني المتشدد. ووفق هذه الرواية، كان طائب من المعارضين لاتفاق التهدئة مع واشنطن منذ بدايته، ورأى فيه تنازلًا يمكن أن يضعف موقع إيران، ولذلك استُخدم التصعيد في الممر البحري الأهم في المنطقة لإغلاق باب المفاوضات وإعادة المواجهة العسكرية إلى الواجهة.
كان بزشكيان ينظر إلى التفاهم الذي جرى التوصل إليه مع الولايات المتحدة باعتباره مدخلًا لإنهاء الحرب ورفع الحصار البحري وتخفيف الضغوط عن الاقتصاد الإيراني. غير أن الهجوم على السفن التجارية أعاد البلدين سريعًا إلى دائرة المواجهة، وحوّل الخلاف حول الاتفاق إلى أزمة داخلية كشفت مستوى الانقسام داخل مؤسسات الحكم.
وأظهرت التحقيقات الداخلية التي أعقبت الحادثة صورة أكثر تعقيدًا لعملية صنع القرار في إيران. فالرواية المطروحة تشير إلى قدرة شخصيات وشبكات أمنية وعسكرية على تنفيذ عمليات تحمل تداعيات استراتيجية من دون المرور الكامل بالمؤسسات الرسمية أو الحصول على موافقة واضحة من القيادة السياسية. كما أن قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي نفى، بحسب ما ورد، أن يكون قد أعطى الأمر بالهجوم أو حتى علم به مسبقًا.
أدت الأزمة إلى مواجهة سياسية حادة داخل النظام، وصلت إلى حد تهديد ضابطين كبيرين بالاستقالة وتبادل اتهامات بالخيانة بين أطراف متنافسة. وانتهت الخلافات بإعادة ترتيب داخل مجلس الأمن القومي وتعيين محسن رضائي لقيادته، في خطوة عكست محاولة احتواء الصراع بين الأجنحة المختلفة والعثور على شخصية قادرة على التواصل مع المراكز العسكرية والسياسية المتنافسة.
لكن أكثر عناصر الأزمة حساسية يتعلق بموقع المرشد الجديد مجتبى خامنئي. فمنذ توليه المنصب في مارس/آذار لم يظهر علنًا، كما لم يُسمع صوته بصورة مباشرة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات داخل مؤسسات الدولة بشأن طبيعة دوره الفعلي وآلية صدور القرارات باسمه.
وتفيد الروايات الواردة في التحقيق بأن مسؤولين إيرانيين أثاروا شكوكًا حول صحة بعض البيانات والرسائل المنسوبة إليه. ووصل الغموض إلى حد أن بزشكيان طالب، بحسب مصادر مطلعة، بإثبات أن المرشد وافق بالفعل على هجوم يوليو عندما أُبلغ بوجود موافقة منه. ويعكس ذلك أزمة أعمق تتجاوز الخلاف حول الحرب والسلام إلى سؤال يتعلق بمركز السلطة نفسه ومن يمتلك حق اتخاذ القرار النهائي داخل النظام.
هذا الغموض منح القوى الأكثر تشددًا مساحة أكبر للتحرك. ومع تراجع وضوح التسلسل القيادي، باتت شبكات أمنية وعسكرية قادرة على الدفع باتجاه خيارات ميدانية قد تفرض وقائع جديدة قبل أن تتمكن القيادة السياسية من احتوائها أو تغييرها.
وفي قلب الصراع الداخلي برز خياران متعارضان. الأول تدفع إليه القيادة السياسية، وفي مقدمتها بزشكيان، ويركز على استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة والخروج من المواجهة العسكرية وتخفيف الضغوط التي يعانيها الاقتصاد الإيراني. أما الخيار الثاني، الذي تتبناه قيادات متشددة داخل الحرس الثوري، فيقوم على رفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها من خلال توسيع نطاق المواجهة.
وتشمل الخطط المطروحة داخل هذا الجناح استهداف سفن أميركية ومنشآت نفطية إقليمية، إضافة إلى استخدام الحوثيين في اليمن والجماعات المسلحة في العراق للضغط على المصالح الأميركية وتوسيع مسرح المواجهة. وبهذا المعنى، لا يقتصر التصعيد المحتمل على العلاقات الأميركية–الإيرانية، وإنما قد يمتد ليشمل أمن الخليج وإمدادات الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
في المقابل، حذر بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من أن مثل هذا المسار قد يقود إلى حرب أوسع، ويعرض إيران لضربات أميركية أشد، ويعمق عزلتها الاقتصادية. إلا أن ميزان القوة الداخلي، وفق المعطيات الواردة في التقرير، بدأ يميل خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول لمصلحة التيار المتشدد.
وتشير هذه التطورات إلى أن المشكلة التي تواجه أي مسار تفاوضي مستقبلي مع طهران لا تتعلق فقط بإمكانية الوصول إلى اتفاق، بل أيضًا بقدرة المؤسسات الرسمية الإيرانية على ضمان تنفيذه. فإذا كانت قوى داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة تحمل تأثيرًا استراتيجيًا، فإن الاتفاق مع الحكومة وحدها قد لا يكون كافيًا لضمان استقرار أي تسوية.
كما يكشف المشهد عن تحول في طبيعة الصراع داخل إيران؛ فهو لم يعد خلافًا تقليديًا بين إصلاحيين ومحافظين بقدر ما أصبح صراعًا على مركز القرار بين مؤسسات سياسية تحسب كلفة الحرب والاقتصاد، وشبكات أمنية ترى أن التصعيد يمكن أن يمنح إيران أوراق قوة إضافية قبل العودة إلى طاولة التفاوض.
ومع استمرار الغموض المحيط بدور المرشد الجديد، تصبح احتمالات سوء الحساب أعلى، لأن الأطراف الخارجية قد تجد صعوبة في تحديد الجهة التي تمتلك سلطة الالتزام بالاتفاقات أو نقضها. وفي حال استمر تفوق الجناح المتشدد، فمن المرجح أن تتحول سياسة حافة الهاوية إلى إحدى الأدوات الرئيسية في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، مع ما يحمله ذلك من خطر انتقال التصعيد من عمليات محسوبة إلى حرب أوسع يصعب التحكم بمسارها.