تاريخ النشر: 2026-09-05 | 11:55
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-09-05 | 11:55
قد يبدو أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة هي انتخابات على بنيامين نتنياهو: هل يبقى أم يرحل؟ وهل ينجح معسكره في الاحتفاظ بالحكم، أم تتمكن المعارضة من تشكيل حكومة جديدة؟
لكن اختزال الانتخابات في هذا السؤال يعني قراءة المشهد من زاويته السياسية المباشرة، بينما القضية الأعمق تتجاوز نتنياهو نفسه.
السؤال الذي ستذهب إليه إسرائيل إلى الانتخابات المقبلة هو: هل تستطيع إعادة بناء استراتيجية للأمن القومي ومركز قرار متوازن، أم ستواصل إدارة أزماتها بالقوة والتكتيك والائتلافات الهشة؟
فنتنياهو ليس وحده موضوع الانتخابات، وإنما هو أحد أطراف الصراع على شكل الدولة الإسرائيلية واتجاهها في المرحلة المقبلة.
من دولة المؤسسات إلى إدارة الصراع
لعقود طويلة، كان القرار الاستراتيجي الإسرائيلي نتاج تفاعل بين مراكز متعددة للقوة: الحكومة والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ومجلس الأمن القومي والكنيست، ووزارة الخارجية ومراكز الأبحاث، والنخب الاقتصادية وجماعات الضغط، والمستوطنين، ويهود الشتات، خصوصًا في الولايات المتحدة.
لم تكن هذه المنظومة خالية من الصراع، لكنها كانت تقوم على قدر من التوازن بين مؤسسات ومصالح مختلفة، بحيث لا يصبح القرار الاستراتيجي حكرًا على طرف واحد.
ومع صعود اليمين وتعمق الاستقطاب الداخلي، بدأ هذا التوازن يتغير. ومع عودة نتنياهو إلى الحكم عام 2009، اتجهت إسرائيل أكثر إلى إدارة الصراع بدل حسم القضايا التي تتطلب خيارات استراتيجية كبرى.
كانت الفكرة أن ما لا يمكن التوافق عليه اليوم يمكن تأجيله إلى الغد، ما دام التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، إلى جانب الدعم الأمريكي، يسمحان بإدارة الوضع القائم.
وهكذا أصبحت قضايا مثل مستقبل الصراع الفلسطيني، وغزة، والسلطة الفلسطينية، والمستوطنات، وإيران، وطبيعة التسوية الإقليمية، ملفات يمكن إدارتها بدل اتخاذ قرار نهائي بشأنها.
وقد نجح هذا النهج لسنوات، لأن البيئة المحيطة بإسرائيل كانت تسمح بذلك. لكن إدارة الصراع ليست بديلًا دائمًا عن الاستراتيجية، فحين تتغير البيئة، تصبح القرارات المؤجلة أزمات متراكمة.
7 أكتوبر كشف حدود القوة
جاء 7 أكتوبر ليكشف ليس فقط فشلًا استخباريًا وعسكريًا، وإنما الفجوة بين امتلاك القوة وبين القدرة على تحويلها إلى أمن مستدام.
إسرائيل استطاعت بعد ذلك أن تستخدم قوتها على نطاق واسع في غزة ولبنان وإيران واليمن، وأن تثبت تفوقًا عسكريًا واستخباريًا وتكنولوجيًا.
لكن السؤال الاستراتيجي بقي قائمًا:
ماذا تنتج القوة بعد استخدامها؟
فالضربة العسكرية قد تدمر قدرات الخصم، لكنها لا تصنع وحدها ترتيبًا سياسيًا وأمنيًا مستقرًا. والردع قد ينجح في جولة، لكنه لا يضمن بالضرورة أمنًا طويل المدى.
وهنا ظهرت المفارقة الإسرائيلية بوضوح أكبر:
إسرائيل تملك فائضًا من القوة، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويل هذا الفائض إلى استراتيجية متكاملة للأمن القومي.
ولم تعد هذه مجرد قراءة من الخارج. فقد أشار مراقب الدولة الإسرائيلي إلى أن إسرائيل لم تعتمد مفهومًا رسميًا وملزمًا للأمن القومي رغم محاولات متكررة لصياغته.
المشكلة، إذن، ليست في قدرة إسرائيل على خوض الحرب، وإنما في قدرتها على تحديد ما الذي تريد الوصول إليه من خلال الحرب.
وهنا يبدأ السؤال الانتخابي الحقيقي: على ماذا سيصوّت الإسرائيلي؟
الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة لن يصوت فقط على شخص رئيس الحكومة، بل سيصوت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على أي إسرائيل يريد بعد 7 أكتوبر.
هل يريد استمرار إسرائيل التي ترى أن بيئتها الإقليمية لا تزال تفرض عليها سياسة القوة والردع، وأن أي تراجع قد يهدد أمنها؟
أم يريد إسرائيل تدرك أن القوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها، وأن المطلوب هو تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية تقلل الحاجة إلى الحرب بدل أن تجعلها وسيلة دائمة لإدارة المنطقة؟
من هنا، لا تبدو المعركة مجرد «يمين ضد معارضة».
فاليمين نفسه منقسم، والمعارضة ليست كتلة استراتيجية متجانسة.
الخلاف الأعمق هو حول وظيفة القوة:
هل تكون القوة أداة لإدارة الصراع إلى أجل غير محدد، أم وسيلة للوصول إلى وضع إقليمي أكثر أمنًا واستقرارًا؟
وهذا الفرق ليس لغويًا.
فحين تصبح الحرب هي الأداة الأساسية لإنتاج الأمن، يصبح الأمن رهينًا باستمرار الحرب. أما حين تكون القوة جزءًا من استراتيجية سياسية أوسع، فإن الحرب تصبح وسيلة ضمن مشروع، لا مشروعًا قائمًا بذاته.
الدولة، و«الصهيونية العميقة»، ونتنياهو
في هذه النقطة لا يمكن اختزال القوى التي ستحدد مستقبل إسرائيل في الحكومة والكنيست والأحزاب.
هناك شبكة أوسع من المؤسسات والنخب والمصالح تمتد من المؤسسة العسكرية والأمنية إلى الاقتصاد والتكنولوجيا، ومن التيار الديني القومي والمستوطنين إلى المؤسسات القانونية والقضائية، ومن مراكز التفكير إلى شبكات العلاقة مع واشنطن والجاليات اليهودية الأمريكية.
يمكن، إذا استخدمنا تعبير «الصهيونية العميقة»، النظر إلى هذه الشبكة باعتبارها بيئة استراتيجية أوسع من الحكومات والأحزاب، تتقاطع داخلها مصالح واتجاهات مختلفة حول بقاء إسرائيل وقوتها وموقعها.
لكنها ليست عقلًا واحدًا ولا مركز قيادة موحدًا. وهذا مهم، لأن الصراع داخل هذه المنظومة ليس حول بقاء إسرائيل من عدمه، وإنما حول كيف تبقى إسرائيل، وبأي قوة، وبأي استراتيجية، وبأي علاقة مع الولايات المتحدة، وفي أي موقع داخل النظام الإقليمي القادم.
وهنا يصبح نتنياهو حالة خاصة. فهو ليس خارج هذه المنظومة، لكنه ليس المنظومة كلها. وهو ليس مجرد رئيس حكومة يريد الاحتفاظ بمنصبه، بل أصبح طرفًا في الصراع على تعريف المصلحة الوطنية نفسها.
بالنسبة إلى مؤيديه، يمثل خبرة سياسية وأمنية طويلة وشبكة علاقات دولية وقدرة على التعامل مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وبالنسبة إلى خصومه، أصبح رمزًا لمرحلة من الاستقطاب وتآكل التوازن المؤسسي، ويحملونه مسؤولية سياسية عن الإخفاق الذي سبق 7 أكتوبر وما تلاه.
لذلك فإن السؤال ليس فقط: هل يبقى نتنياهو؟
بل:
هل أصبح بقاء نتنياهو جزءًا من قدرة إسرائيل على مواجهة المرحلة، أم أصبح بقاؤه جزءًا من العائق أمام إعادة بناء استراتيجيتها؟
واشنطن في قلب المعادلة
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من دون وضع الولايات المتحدة في قلب الحسابات الإسرائيلية.
إسرائيل تحتاج واشنطن عسكريًا ودبلوماسيًا واستراتيجيًا، لكن العلاقة ليست في اتجاه واحد. فالولايات المتحدة تريد أن تبقى إسرائيل قوة إقليمية متفوقة، لكنها تريد أيضًا أن تكون هذه القوة قابلة للإدماج في ترتيبات إقليمية أوسع، لا أن تتحول إلى مصدر دائم للأزمات التي تضطر واشنطن إلى إدارتها.
وهنا تظهر معادلة دقيقة:
إسرائيل تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية القرار، بينما تريد واشنطن أن تبقى القوة الإسرائيلية جزءًا من استراتيجية إقليمية تستطيع الولايات المتحدة إدارة نتائجها.
لذلك ستواجه القيادة الإسرائيلية المقبلة سؤالًا يتجاوز التحالف التقليدي:
كيف تحافظ إسرائيل على استقلال قرارها الاستراتيجي، من دون أن يتحول هذا الاستقلال إلى تعارض مع الاستراتيجية الأمريكية؟
وهذا السؤال سيكون حاضرًا في الانتخابات، حتى لو لم يظهر على ورقة الاقتراع.
فكلما زادت حاجة إسرائيل إلى الولايات المتحدة في إدارة نتائج الحروب، أصبح السؤال عن حدود الاستقلال الإسرائيلي أكثر إلحاحًا.
نتنياهو بين بقائه الشخصي وإعادة تعريف أمن إسرائيل
في هذه المعادلة، لا يبدو أن نتنياهو سيخوض الانتخابات بحثًا عن انتصار حزبي فقط، وإنما عن ضمان موقعه داخل المعادلة التي ستتشكل بعدها.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية يسعى إلى تحقيق أحدها.
الأول: إقناع المنظومة الإسرائيلية بأن إزالته في هذه المرحلة ستكون خسارة أكبر من الإبقاء عليه، وأن خبرته وقدرته على إدارة الملفات الإقليمية والدولية تجعل استمراره ضرورة.
الثاني: الوصول إلى صيغة شراكة وطنية لا تسمح بتهميشه سياسيًا، وفي الوقت نفسه تتيح إعادة توزيع الأدوار والأوزان داخل مؤسسات الدولة.
الثالث: إذا تعذر البقاء أو الشراكة، البحث عن خروج آمن ومشرف يحفظ مكانته السياسية والتاريخية، وربما يترافق مع تسوية لقضاياه القانونية.
لكن هناك احتمالًا رابعًا أكثر تعقيدًا: أن تعيد المنظومة توزيع السلطة بحيث لا يصبح نتنياهو قادرًا على تعطيل إعادة بناء الاستراتيجية، من دون أن يكون إخراجه شرطًا مسبقًا للاستقرار.
وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر دلالة؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال «نتنياهو أو لا نتنياهو» إلى سؤال أكبر:
كيف يمكن لإسرائيل أن تعيد بناء مركزها الاستراتيجي من دون أن تجعل مستقبل الدولة رهينة بمستقبل شخص واحد؟
وهنا تتقاطع مصلحة نتنياهو مع مصلحة الدولة، وقد تتعارضان. فنتنياهو يريد ضمان بقائه السياسي أو ضمان شروط خروجه، بينما تحتاج إسرائيل إلى ضمان قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية تتجاوز مصلحة أي حكومة أو قائد.
ومن هنا يصبح السؤال:
هل يضحي نتنياهو بمصالحه السياسية من أجل إعادة بناء أمن إسرائيل، أم ستضطر إسرائيل إلى تقديم تنازلات سياسية وقانونية له حتى لا يصبح بقاؤه أو خروجه عائقًا أمام إعادة بناء أمنها؟
الانتخابات ليست نهاية الأزمة
إذا استطاعت القوى السياسية الإسرائيلية الوصول إلى تفاهم واسع حول اتجاه الدولة، فقد تبدأ مرحلة جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين السياسي والعسكري والأمني، وتضع أهدافًا أكثر وضوحًا للحروب والعلاقات الإقليمية، وتحدد موقع إسرائيل في التحولات التي تجري حولها.
أما إذا بقيت الانتخابات مجرد معركة على نتنياهو، فقد تتغير الحكومة ويبقى السؤال نفسه.
مجتمع منقسم، ويمين متشظٍ، ومعارضة تبحث عن صيغة جامعة، ومؤسسات تتنافس على النفوذ، وبيئة إقليمية متحولة، وعلاقة مع واشنطن تحتاج إلى إعادة ضبط.
وعندها قد تكون إسرائيل قد غيرت رئيس الحكومة من دون أن تحسم السؤال الذي فرضته عليها السنوات الأخيرة:
ما الذي تريده إسرائيل من قوتها؟
فالمشكلة لم تعد في امتلاك القوة، وإنما في تحديد حدود استخدامها والغاية السياسية منها، وفي بناء توافق داخلي يسمح بتحويلها من أداة لإدارة الأزمات إلى وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة. وهذا هو المكان الذي يتحدد فيه مستقبل نتنياهو.
إذا استطاع إقناع إسرائيل بأن بقاءه يخدم المرحلة، فسيكون قادرًا على البقاء أو فرض شروط خروجه.
وإذا اقتنعت القوى المؤثرة بأن استمرار نتنياهو أصبح جزءًا من المشكلة، فستبحث عن صيغة لإخراجه بأقل كلفة ممكنة.
أما إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى أي صيغة، فقد تتحول الانتخابات نفسها إلى فصل جديد من الصراع الداخلي، في الوقت الذي تحتاج فيه إسرائيل إلى شيء مختلف تمامًا: قرار استراتيجي قادر على النظر إلى ما بعد الحرب التالية.
فإسرائيل أمام واقع جديد لا يشبه البيئة التي سمحت لها طوال سنوات بتأجيل الأسئلة الكبرى. 7 أكتوبر، والحروب التي تلته، والتحولات في إيران ولبنان وسوريا واليمن، والتغير في العلاقة مع واشنطن، والانقسام الداخلي، كلها دفعت تلك الأسئلة إلى الواجهة.
ولهذا فإن الانتخابات القادمة ستكون اختبارًا ليس فقط لنتنياهو، وإنما لقدرة إسرائيل على التوفيق بين قوتها ومصالحها، وبين ما تريده لنفسها وما يريده حلفاؤها، وبين ضرورات أمنها ومتطلبات بقائها دولة متماسكة.
فالانتخابات قد تنتج حكومة جديدة، لكنها لن تنتج بالضرورة إسرائيل جديدة، وهذا هو التحدي المركزي.
السؤال الحقيقي في الانتخابات القادمة ليس: من يحكم إسرائيل؟
بل: من يملك القدرة على إعادة تعريف إسرائيل نفسها، ودورها، وأمنها، في النظام الإقليمي والدولي الذي يتشكل من جديد؟