تاريخ النشر: 2026-09-19 | 14:41
تاريخ النشر: 2026-09-19 | 14:41
يا غزة... من لكِ؟
سؤالٌ لا يملك العالم أمامه جوابًا، بينما تقف أمٌّ تحت الشمس، وطفلٌ يرتجف من البرد، وشيخٌ يبحث عن زاوية تحميه من المطر، وامرأةٌ تحمل ما تبقى من أسرتها بعد أن ابتلع القصف بيتها وحياتها وذكرياتها.
في غزة، لم تعد الكارثة فقط أن يُدمَّر البيت...
الكارثة أن يُدمَّر البيت، ثم يُجبر أهله على العودة إلى مبنى متصدع لأنهم لا يملكون مكانًا آخر. أن يصبح المبنى الذي قصفته الحرب ملجأً لمن نجوا من الحرب.
وأن يتحول السقف الذي يفترض أن يحمي الإنسان إلى خطرٍ قد ينهار فوق رأسه في أي لحظة.
وهذا ما حدث بالفعل.
في 16 سبتمبر/أيلول 2026 انهار مبنى سكني متضرر في مدينة غزة كان يؤوي عشرات العائلات والنازحين. وقُتل فيه أكثر من عشرين إنسانًا، بينهم أطفال، فيما عمل الأهالي وفرق الدفاع المدني وسط نقص حاد في المعدات الثقيلة للوصول إلى العالقين تحت الأنقاض.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: كيف انهار المبنى؟
السؤال الذي يجب أن يهز ضمير العالم هو:
لماذا كان هؤلاء الناس يعيشون أصلًا داخل مبنى يعرفون أنه متضرر؟
لأنهم لا يملكون بيتًا آخر. لأن بيوتهم دُمرت. لأن أماكن الإيواء محدودة. لأن الخيام نفسها لا تستطيع أن تكون وطنًا، ولا تحمي طفلًا من حر الصيف ولا من برد الشتاء ولا من المطر. ولأن الإنسان حين يُحاصر بين الركام والخيمة والمبنى المتصدع، قد يضطر إلى اختيار الخطر الأقل، حتى لو كان الموت ينتظره فوق رأسه.
غزة لا تحتاج إلى التعاطف فقط، غزة تحتاج إلى الحماية.
أيها العالم...
كم يحتاج الإنسان حتى يصبح جديرًا بالحماية؟
هل يحتاج الطفل الغزي إلى أن يموت تحت الأنقاض حتى نتذكر أنه طفل؟
هل يجب أن تنهار أسرة كاملة تحت مبنى متصدع حتى ندرك أن هناك آلاف العائلات التي تعيش في ظروف مشابهة؟
هل أصبحت حياة أهل غزة رقمًا جديدًا يضاف إلى قوائم الضحايا، ثم تنتهي القصة؟
الأطفال... ماذا فعلوا ليستحقوا كل هذا؟
طفل غزة لا يعرف لماذا فقد بيته.
لا يعرف لماذا لم يعد هناك سرير.
لماذا ينام بجوار الركام.
لماذا يخاف من صوت المطر.
ولماذا تنظر أمه إلى سقف البيت كل ليلة خشية أن يسقط.
الأطفال، والنساء، وكبار السن، والمرضى، وذوو الإعاقة، ليسوا أطرافًا في أي صراع.
إنهم بشر لهم الحق في الحياة والأمان والمأوى والكرامة.
والقانون والضمير الإنساني لا ينبغي أن يتغيرا بتغير اسم المكان أو هوية الضحية.
غزة تحت الشمس... وغزة تحت المطر
ثلاث سنوات من التشرد والدمار تركت عائلات كثيرة تبحث عن أي مكان يحميها.
في الصيف، الشمس تحرق الأجساد، وفي الشتاء، البرد والمطر يتسللان إلى أماكن الإيواء.
وفي كل فصل، يبقى السؤال نفسه:
أين نذهب؟
بيتٌ مهدّم. مدرسةٌ مكتظة. خيمةٌ لا تحمي من الطقس.
مبنى متصدع قد ينهار في أي لحظة.
فإلى أين يذهب الإنسان عندما يُحرم حتى من حقه في مكان آمن؟
يا عالم... لا تنتظروا الانهيار القادم
اليوم انهار مبنى.
وغدًا قد ينهار مبنى آخر.
وقد تكون تحته عائلة أخرى.
وأطفال آخرون.
وأم أخرى تنادي أبناءها من تحت الركام.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط أن نرثي الضحايا بعد سقوط المباني. المطلوب أن نمنع المأساة قبل وقوعها.
نريد مساكن آمنة.
نريد مواد إيواء.
نريد معدات إنقاذ.
نريد إزالة الركام.
نريد تقييمًا هندسيًا للمباني المتضررة.
نريد حماية المدنيين.
نريد أن يعيش الإنسان في غزة دون أن يكون السؤال كل صباح:
هل سينهار البيت اليوم؟
من لكِ يا غزة؟
ربما خذلنا العالم كثيرًا.
وربما طال الصمت أكثر مما يحتمل القلب.
لكن غزة ما زالت تنادي.
تنادي ضمير الإنسان.
تنادي المؤسسات الدولية.
تنادي الأمم المتحدة.
تنادي كل حكومة تستطيع أن تفعل شيئًا.
تنادي كل طبيب، وكل مهندس، وكل مؤسسة إنسانية، وكل صاحب قرار، وكل إنسان ما زال يؤمن بأن حياة الإنسان مقدسة.
غزة لا تطلب المستحيل.
غزة تطلب أن يعيش أطفالها.
أن تنام أمهاتها دون خوف.
أن يجد مريضها مكانًا آمنًا.
أن يجد شيخها سقفًا.
أن يجد ذوو الإعاقة مكانًا ملائمًا.
أن يجد النازح مأوى يحفظ كرامته.
وأن يتوقف الموت عن ملاحقتهم حتى في الأماكن التي لجأوا إليها هربًا من الموت.
يا غزة...
نحن نرى وجعك. ونسمع صرختك، .
من لكِ يا غزة؟
يبقى الجواب الذي يتمسك به أهل غزة رغم كل شيء:
الله.ما لنا الا الله🤲
لكن الإيمان بالله لا يعفي العالم من مسؤوليته الإنسانية.
فالإنسانية ليست كلمات في المؤتمر
والعدالة ليست بيانًا يُكتب ثم يُنسى.
والحماية ليست وعدًا مؤجلًا.
أنقذوا من بقي حيًا قبل أن يصبح الركام مقبرةً جديدة لعائلة أخرى.
غزة لا تحتاج إلى دموع العالم بعد المأساة...
غزة تحتاج إلى موقفٍ ينقذ الإنسان قبل المأساة.
من لكِ يا غزة؟
سوى الله... ثم ضمير العالم إن استيقظ.