تاريخ النشر: 2026-09-18 | 19:00
تاريخ النشر: 2026-09-18 | 19:00
عواصم: شهدت منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تحولاً استراتيجياً بارزاً؛ حيث انتقلت من هامش التفاعلات الإقليمية إلى مركز التنافس الدولي والإقليمي. وباتت هذه المنطقة فضاءً حيوياً تتقاطع فيه المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية لكل من أنقرة وتل أبيب، مما يربط أمن شرق المتوسط بالخليج العربي وشرق أفريقيا في مسرح جيوسياسي واحد.
تأتي هذه القراءة التحليلية لتسليط الضوء على المقاربة التركية المتدرجة في بناء النفوذ مقابل المحدّدات الأمنية والبحرية المدفوعة بالحسابات الإسرائيلية، وتأثير هذا التنافس على الصومال وإثيوبيا والسودان.
المقاربة التركية: التدرج من القوة الناعمة إلى النفوذ الدفاعي والنفطي
بنت تركيا حضورها في المنطقة عبر نموذج متكامل ومستدام يعتمد على التدرج المؤسسي، بدءاً من أبعاد الإغاثة والتنمية ووصولاً إلى الشراكات العسكرية والتنقب عن الطاقة.
الصومال كمركز ثقل: يمثل الصومال النموذج الأبرز للاستراتيجية التركية؛ حيث بدأ التواجد عبر الدعم الإنساني عام 2011، وتطور إلى تشغيل البنية التحتية الرئيسية (الميناء والمطار)، وتأسيس قاعدة "تركسوم" لتدريب القوات الصومالية.
التمدد الدفاعي والأمني: توسع التعاون البحري ليصل إلى تقديم الدعم الاستخباراتي وتدريب ما لا يقل عن 16 ألف عسكري صومالي، وصولاً إلى نشر مقاتلات "إف-16" ونشر سفن حفر للتنقيب عن النفط في المياه الصومالية عام 2026.
التمدد الإقليمي (إثيوبيا والسودان): في إثيوبيا، أصبحت أنقرة ثاني أكبر مستثمر أجنبي، وتوطدت الشراكة الدفاعية لا سيما عبر تزويد أديس أبابا بالطائرات المسيرة خلال حرب تيغراي. أما في السودان، فقد ارتكز النفوذ على الاستثمارات والتعليم والشراكات الاقتصادية والدفاعية.
المحددات الإسرائيلية: أمن الملاحة والمواجهة في البحر الأحمر
تنظر إسرائيل إلى منطقة القرن الأفريقي وباب المندب من منظور أمني واستخباري بحت، تُمليه التحولات في الملاحة البحرية والتحديات الإقليمية.
تأمين الممرات البحرية: يُعد ضمان حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر أولوية قصوى للتجارة الإسرائيلية المتجهة إلى آسيا، لا سيما بعد التهديدات والاضطرابات الملاحية الناجمة عن هجمات الحوثيين.
رصد النفوذ الإيراني: تسعى تل أبيب للحد من النشاط الإيراني وشبكات التهريب المساندة للحوثيين في الساحل المقابل لليمن، من خلال تعزيز الشراكات الأمنية والاستخبارية في المنطقة.
الشراكات التاريخية في إثيوبيا: تحتفظ إسرائيل بروابط ممتدة مع أديس أبابا تشمل مجالات الأمن السيبراني، والتكنولوجيا الزراعية، والتبادل الاستخباراتي، مما يمنحها موطئ قدم حيوياً في الهضبة الإثيوبية.
نقاط التماس الحساسة: أرض الصومال والسودان
تتجسد تباينات المقاربتين التركية والإسرائيلية في مناطق احتكاك محددة تعكس تعارض الأهداف الجيوسياسية:
أرض الصومال (صوماليلاند): بينما تلتزم تركيا بدعم وحدة الأراضي الصومالية والحكومة الفيدرالية في مقديشو، ترى إسرائيل في الساحل الشمالي المقابل لليمن موقعاً ذا قيمة استراتيجية لمراقبة الحركة البحرية، مما يجعل هذا الملف من أكثر النقاط حساسية بين الجانبين.
المشهد السوداني: يحاول كلا الطرفين الاحتفاظ بقنوات تواصل ونفوذ داخل السودان بالنظر إلى موقع بلاد الشام المطل على البحر الأحمر، حيث يسعى كل جانب لحماية مصالحه في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية المستمرة هناك.
التقدير التحليلي للتنافس الإقليمي
يعكس التنافس التركي الإسرائيلي في القرن الأفريقي تحول المنطقة إلى امتداد مباشر للصراعات في الشرق الأوسط. ورغم تباين الأدوات بين التركيز التركي على النفوذ التنموي والأمني المتكامل والتركيز الإسرائيلي على الرصد البحري والاستخباري، فإن هذا التنافس لا يعني بالضرورة صداماً مباشراً؛ إذ قد تفرض أمن الملاحة واستقرار القارة مساحات للتعايش التكتيكي. وتبقى القدرة على التكيف مع التحولات في الموانئ والقواعد البحرية هي المحدد الأساسي لرسم موازين القوى في هذه المنطقة الاستراتيجية.